آخر المواضيع المضافة

الأحد، 7 أغسطس 2016

أثرٌ في الحِرصِ على العِلْمِ!

بسم الله الرحمن الرحيم

• جاءَ في "الآداب الشّرعيّة"، لابنِ مفلحٍ -رحمهُ اللهُ-:
"عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ مِنْ أَقْصَى الشَّامِ إلَى أَقْصَى الْيَمَنِ، فَسَمِعَ كَلِمَةً تَنْفَعُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ أَمْرِهِ؛ مَا رَأَيْتُ سَفْرَهُ ضَاعَ!" اهـ‍
(2/ 55)، ط3 (1419هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- - -
السّبت 3 ذو القعدة 1437هـ‍

السبت، 6 أغسطس 2016

خير النساء


قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْرُ نِسَائِكُمُ :
الْوَدُودُ الْوَلُودُ ، الْمَوَاتِيَةُ ، الْمُوَاسِيَةُ  ، إِذَا اتَّقَيْنَ اللَّهَ .
وَشَرُّ نِسَائِكُمُ :
الْمُتَبَرِّجَاتُ الْمُتَخَيِّلاَتُ ، وَهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ ، لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلاَّ مِثْلُ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ ) .

"الصحيحة" (1849) .

قَالَ شيخُنا الألباني في "الصحيحة" (4 /466) :

( الأَعْصَم ) : هو أحمر المنقار والرجلين ، كما في الحديث الآتي (1850) :

( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَنْ كَانَ مِنْهُنَّ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فِى الْغِرْبَانِ ) .

وهو كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء ، لأن هذا الوصف في الغربان قليل . انتهى .

قلتُ :

معاني المفردات :

( الْوَدُودُ ) ؛ أَيْ : الَّتِي تُحِبُّ زَوْجَهَا والـمُتَحَبِبَةُ إليه .

وَ ( الْوَلُودُ ) ؛ أَيْ : الَّتِي تَكْثُرُ وِلَادَتُهَا ، وَقَيَّدَ بِهَذَيْنَ لِأَنَّ الْوَلُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَدُوداً لَمْ يَرْغَبِ الزَّوْجُ فِيهَا ، وَالْوَدُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُوداً لَمْ يَحْصُلِ الْمَطْلُوبُ ، وَهُوَ تَكْثِيرُ الْأُمَّةِ بِكَثْرَةِ التَّوَالُدِ ، وَيُعْرَفُ هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الْأَبْكَارِ مِنْ أَقَارِبِهِنَّ ، إِذِ الْغَالِبُ سَرَايَةُ طِبَاعِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِنَّ إِلَى بَعْضٍ .
"شرح الطيبي على المشكاة" (7 /2263) ، و"مرقاة المصابيح" (5 /2047) للقاري .

وَ ( الْمَوَاتِيَةُ الْمُوَاسِيَةُ ) ؛ أَيْ : الْمُوَافقَة للزَّوْج .

وَ ( الْمُتَخَيِّلاَتُ ) ؛ أَيْ : المـُعْجَبَاتُ بأنفُسِهِنَّ المـُتَكَبِّرات ، والخُيَلاء بالضم : العُجب والتَّكَبُّر. "فيض القدير" (3 /492) .

وَ ( هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ ) : المقصود : النفاق العملي ؛ وليس النفاق الاعتقادي المخرج من المِلَّة . فتنبه !

انتقاه /

أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

23 / 10 / 1424هـ

أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى

أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى
الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات، ومن أعظم الواجبات على الدعاة إلى الله - سبحانه وتعالى -، والصبر وإن كان واجباً بأنواعه على كل مسلم، فإنه على الدعاة إلى الله من باب أولى وأولى؛ ولهذا أمر الله به إمام الدعاة وقدوتهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (1)، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (2)، وقال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (3)، فهذا سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - قد أمره الله بالصبر، وأتباعه من باب أولى.
والله - عز وجل - قد أوضح للناس أنه لابد من الابتلاء، والاختبار، والامتحان لعباده، وخاصة الدعاة إلى الله تعالى؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والصابر من غيره، وهذه سنة الله في خلقه، قال سبحانه: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (4)، وقال - عز وجل -: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (1).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه ... )) (2).
وقد ذم الله - عز وجل - من لم يصبر على الأذى من أجل الدعوة إلى الله فقال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله} (3)؛ ولهذا قال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} (4)، وقال تعالى: {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (5).
وتبرز أهمية الصبر في الدعوة إلى الله - عز وجل - في عدة أمور، منها:

أولاً: إن الابتلاء للدعاة إلى الله لابد منه، فلو سلم أحد من الأذى لسلم رسل الله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام فقد أُوذوا فصبروا، وجاهدوا حتى نصرهم الله على أعداء الدعوة إلى الله تعالى، ولاشك أن كل داعية مخلص يصيبه الأذى، وإن سلم أحد فذلك من أندر النوادر.

ثانياً: الصبر يحتاجه الداعية في دعوته إلى الله في ثلاثة أحوال:
1 - قبل الدعوة بتصحيح النية والإخلاص، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على الوفاء بالواجب.
2 - أثناء الدعوة، فيلازم الصبر عن دواعي التقصير والتفريط، ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية، وعلى حضور القلب بين يدي الله تعالى، ولا ينساه في أمره.
3 - بعد الدعوة، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن يُصبِّر نفسه عن الإتيان بما يُبطل عمله، فليس الشأن الإتيان بالطاعة، وإنما الشأن في حفظها مما يبطلها.
الوجه الثاني: أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها، والتكبر، والتعظم بها.
الوجه الثالث: أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سرّاً بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر، فإن تحدث به نُقل إلى ديوان العلانية (1).
ثالثاً: الصبر في الدعوة إلى الله - عز وجل - بمثابة الرأس من الجسد، فلا دعوة لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له)) (1)، فإذا كان ذلك في الإيمان فالصبر في الدعوة إلى الله تعالى من باب أولى.
رابعاً: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أعظم أركان السعادة الأربعة قال - سبحانه وتعالى -: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (2)، كما قال ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.
خامساً: الصبر من أعظم أركان الخُلق الحسن الذي يحتاجه كل مسلم عامة وكل داعية إلى الله تعالى خاصة، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (3).
سادساً: الصبر في الدعوة إلى الله من أهم المهمات؛ ولهذا ذكره الله - عز وجل - في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعاً كما قال الإمام أحمد (4).
سابعاً: الصبر في الدعوة إلى الله - عز وجل - من أعظم القربات ومن أجل الهبات ولم أعلم -على قلة علمي - أن هناك شيئاً غير الصبر يُجازى ويثاب عليه العبد بغير حساب قال الله - عز وجل -: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (1)، اللهم إلا الصيام فإن الصيام من الصبر.
ثامناً: الدعوة إلى الله سبيلها طويل تحف به المتاعب والآلام؛ لأن الدعاة إلى الله يطلبون من الناس أن يتركوا أهواءهم وشهواتهم التي لا يرضاها الله - عز وجل -، وينقادوا لأوامر الله، ويقفوا عند حدوده، ويعملوا بشرائعه التي شرع، فيتخذ أعداء الدعوة من هذه الدعوة عدواً يحاربونه بكل سلاح، وأمام هذه القوة لا يجد الدعاة مفرّاً من الاعتصام باليقين والصبر؛ لأن الصبر سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، ونور لا يخبو.
تاسعاً: الصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى هو وصف الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعليه مدار نجاح دعوتهم إلى الله تعالى، ولاشك أن الداعية إذا فقد الصبر كان كمن يريد السفر في بحر لُجِّي بغير مركب {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} (2)؛ ولهذا أوصى به الحكماء من أتباع الأنبياء، فهذا لقمان الحكيم عندما أوصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرن ذلك بالصبر {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (3)، فهو عندما أمره بتكميل نفسه بطاعة الله أمره أن يكمّل غيره وأن يصبر على ما ينزل به من الشدائد والابتلاء.
عاشراً: الداعية إلى الله - عز وجل - لا يكون قدوة في الخير مطلقاً إلا بالصبر والثبات عليه، كما قال سبحانه في صفات عباد الرحمن: { ... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (1)، وهذه الإمامة في الدين لا تحصل قطعاً إلا بالصبر، فقد جعل الله الإمامة في الدين موروثة بالصبر واليقين {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (2)، فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، والعمل به لابد فيه من صبر، والداعية لابد له من أن يعلم الحق ويعمل به حتى يقوم بالدعوة، ولا يقوم بالدعوة إلا بالصبر على ما أصابه.
الحادي عشر: الصبر ينتصر به الداعية على عدوه - مع الأخذ بالأسباب - من الكفار والمنافقين، والمعاندين، وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة الحميدة، قال - عز وجل -: { ... وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (3)، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (4)، وحكى الله عن يوسف عليه الصلاة والسلام قوله وبأي شيء نال النصر والتمكين، فقال لإخوته حينما سألوه: {أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (1) , ولابد بعون الله وتوفيقه من النصر للداعية المتقي الصابر العامل بما أمره ربه، ومن ذلك الأخذ بجميع الأسباب المشروعة {وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (2).
الثاني عشر: الصبر من أهم المهمات للداعية؛ لأنه لا يكون داعية مُوَفَّقاً إلا إذا كان صابراً على دعوته وما يدعو إليه، صابراً على ما يعترض دعوته من معارضات، صابراً على ما يعترضه هو من أذى.
الثالث عشر: الصبر يشتمل على أكثر مكارم الأخلاق، فيدخل فيه الحلم؛ فإنه صبر عن دواعي الانتقام عند الغضب، والأناة: صبر عن إجابة دواعي العجلة، والعفو والصفح صبر عن إجابة دواعي الانتقام، والجود والكرم صبر عن إجابة دواعي الإمساك، والكيس: صبر عن إجابة دواعي الكسل والخمول، والعدل صبر إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين، وسعة الصدر صبر عن الضجر، والكتمان وحفظ السر صبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره، والشجاعة صبر عن إجابة دواعي الفرار، وهذا يدل على أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى، وأن الداعية لا يسعه أن يستغني عنه في جميع أحواله.


نقلته من برنامج الشاملة

الجمعة، 5 أغسطس 2016

للمسافرين

بسمِ اللهِ الرَّحمَٰنِ الرَّحِيم...
لِلْمُسَافِرِين...

• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ سَفَرًا، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَوْصِنِي!
قَالَ: ((أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ!
 وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ))!
فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اللَّهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ))!
قالَ التّرمذيُّ رحمهُ اللهُ "حديث حسن"، وقال والدي رحمهُ اللهُ: "وهو كما قال". يُنظر "سلسلته الصّحيحة"، (1730)، و "الكلم الطّيب"، رقم (172)، ط2 (1422هـ‍)، مكتبة المعارف.
* (ازْوِ): اجْمَعْ وَاطْوِ. جاءَ في "مقاييس اللغة"، (3/ 34): "(زَوِيَ) الزَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى انْضِمَامٍ وَتَجَمُّعٍ. يُقَالُ: زَوَيْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ!" اهـ‍

• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ:
"وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
((أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ))!
صحَّحهُ والدي -رحمهُ اللهُ-. يُنظر:  "سلسلته الصّحيحة"، (16) و (2547).

• عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنْهُما، قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَيَقُولُ:
((أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَآخِرَ عَمَلِكَ))!
وَفِي رِوَايَة: ((خَوَاتِيمَ عَمَلِكَ))!.
صحَّحهُ والدي -رحمهُ اللهُ-. يُنظر:  "مشكاة المصابيح"، (2/ 753).
- - -
الجمعة 2 ذو القعدة 1437هـ‍
 

التعزية والاجتماع لها

سائلة تسأل :
عندما يتوفى أحد أقارب المرأة أب أو أم أو أخ أو أخت أو خالة أوخال أو عمة أو عم أو غيرهم من ذوي قرابتها المقربين أو أحد من أقارب
زوجها الأب أو الأم أو العم أو الخال ........إلخ ...
في هذه الحالات المختلفة كيف تعمل المرأة في العزاء هل يجوز أن
تذهب للعزاء؟ وهل يجوز أن تبقى في بيت العزاء لوقت طويل ؟وهل
يجوز أن تبيت فيه طيلة أيام العزاء ؟ مع العلم بوجود منكرات في
العزاء .......
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد :
فـ "بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين ليس معروفاً في عهد السلف الصالح ولهذا صرح بعض العلماء بأنه بدعة .
وقال في "الإقناع وشرحه" : ويكره الجلوس لها ـ 
أي التعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه ولما ذَكَرَ حكم صنع الطعام لأهل الميت قال : وينوي فعل ذلك لأهل الميت لا لمن يجتمع عندهم فيكره ، لأنه معونة على مكروه ، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت نقل المروزي عن أحمد : هو من أفعال الجاهلية ، وأنكره شديداً ، ثم ذكر حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعه الطعام بعد دفنه من النياحة وقال النووي في شرح المهذب : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته ونقله أبو حامد في التعليق وآخرون عن نص الشافعي قالوا : يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا : بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم . اهـ .

ثم إن فتح أهل الميت الباب ليأتيهم من يعزيهم كأنما يقولون للناس بلسان الحال : يا أيها الناس إنا قد أُصِبْنا فعزونا .. وكونهم يعلنون في الصحف عن مكان العزاء هو دعوة بلسان المقال أيضاً" . اهـ.
المرجع :
"70 سؤالاً في أحكام الجنائز" ( ص 53) ، لفضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين . 
 
وقال الألباني في " أحكام الجنائز" : "وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما: أ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد.
 ب - اتخاذ أهل، الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء ، وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلى رضي الله عنه قال: (كنا نعد "وفي رواية : نرى" الاجتماع إلى أهل الميت ، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة).


أخرجه أحمد  وابن ماجه ، وصححه النووي (5 / 320) والبوصيري في "الزوائد" (115) - وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم، لحديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم). أخرجه أبو داود، والترمذي" اهـ.

 قال النووي في "المجموع" (5 / 306):
"وأما الجلوس للتعزية، فنص الشافعي والمصنف وسائر الاصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها" .

ونص الامام الشافعي الذي أشار إليه النووي هو في كتاب "الام" (1 / 248):
"وأكره المآتم ، وهي الجماعة ، وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن، ويكلف المؤنة، مع ما مضي فيه من الاثر" .
كأنه يشير إلى حديث جرير هذا، قال النووي: "واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث" .
وكذا نص ابن الهمام في "شرح الهداية" (1 / 473) : على كراهة اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت وقال : "وهي بدعة قبيحة" .
وهو مذهب الحنابلة كما في "الانصاف" (2 / 565).
والله أعلم .
كتبه
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي
مغرب الأحد 21/3/1431هـ.

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

لاَ يُسْتَطَاعُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ!

بسم الله الرحمن الرحيم
لاَ يُسْتَطَاعُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ!

• جاءَ في ترجَمةِ  صَاحبِ كتاب "الجرحِ والتّعديل" الإمامِ الحافظِ: (عبدِ الرَّحمن ابنِ أبي حاتمٍ) -رحمَهُما اللهُ- أنَّهُ قالَ:
"كُنَّا بِمِصْرَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، لَمْ نَأْكُلْ فِيْهَا مَرَقَةً!
كُلُّ (نَهَارِنَا) مُقَسَّمٌ لِمَجَالِسِ الشُّيُوْخِ!
وَ(بَاللَّيْلِ): النَّسْخُ وَالمُقَابَلَةُ!
قَالَ: فَأَتَيْنَا يَوْمًا أَنَا وَرَفِيْقٌ لِي شَيْخًا، فَقَالُوا: هُوَ عَلِيْلٌ.
فَرَأَينَا فِي طَرِيْقِنَا سَمَكَةً أَعْجَبَتْنَا، فَاشتَرِيَنَاهُ
فَلَمَّا صِرنَا إِلَى البَيْتِ، حَضَرَ وَقْتُ مَجْلِسٍ، فَلَمْ يُمْكِنَّا إِصْلَاحَهُ!
وَمَضَينَا إِلَى المَجْلِسِ، فَلَمْ نَزَلْ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَكَادَ أَنْ يَتَغَيَّرَ!
فَأَكَلْنَاهُ نِيْئًا! لَمْ يَكُنْ لَنَا فَرَاغٌ أَنْ نُعْطِيَهْ مَنْ يَشْوِيهِ! ".
ثُمَّ قَالَ:
"لاَ يُسْتَطَاعُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ!" اهـ‍
".تذكرة الحفاظ"، للحافظ الذَّهبيّ، (3/ 35) ط1 (1419هـ‍)، دار الكتب العلميّة، بيروت.
وتبدأ ترجمته من (ص: 34).
- - -
الأربعاء 29 شوّال 1437هـ‍

الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

جديد: صوتي ومفرّغ: واجب المسلمين نحو فلسطين للشيخ عايد الشمري حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يسرنا في شبكة إمام دار الهجرة العلمية

أن نقدِّم لكم خطبة بعنوان

..::واجب المسلمين نحو فلسطين::..

وذلك لما تمر به فلسطين من غزو بربري من الصهاينة


بتاريخ 6/1/1430هـ


لفضيلة الشيخ

عايد بن خليف الشمري

إمام وخطيب جامع الأميرة العنود بحائل


لتحميل المادة الصوتية
{اضغط هنا}

لتحميل التفريغ
{اضغط هنا}

نسأل الله أن يجعل هذا العمل لوجهه خالصاً
ولا يجعل لأحدٍ فيه شيئا

ملاحظة/ لم يتم مراجعة التفريغ من قِبل الشيخ حفظه الله
المصدر

رسالة إلى كل من حفظ النصوص وضيع الفصوص

وهي رسالة إلى كل من أجاد النقول وترك العمل المفضول .

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاَه .
أما بعد :

فما أكثر النصوص الدّالة على التعاون بين الإخوة المسلمين من قضاء الحوائج ، وتنفيس الكُرُبات ، والتيسير على المعسر ، وإكساء العاري ، وإشباع الجائع ..الخ .
وما أقل العاملين من المسلمين بذلك ، فالآذن صمّاء والأعين عمياء ، والقلوب مُغْلقة أو مُغَلَّفة ؛ إلا مَن رحم ربك .
فأقول من باب التذكير بقَوْلِه اللهُ تَعَالَى : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] :
قَالَ تَعَالَى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
فهذه هي القاعدة التي ينطلق منها كل مسلم ؛ ألاَ وهي : التعاون فيما بينهم على أمور الخير ، أُخذت من المصدر الأول للتشريع الإسلامي .

أما المصدر الثاني : وهو السُّنة النبوية .
[1] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(1- مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
2- وَمِنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
3- وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً ؛ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
4- وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ..) .
أخرجه أحمد (2 / 252، 274، 296، 500، 514) ، ومسلم (2699) ، وأبو داود (4946) وغيرهم . وهو حديث صحيح .

قال الألباني : "( نَفَّسَ) بتشديد الفاء ؛ أي : فرج ، وأزال بماله ، أو بجاهه ، أو إشارته ، أو إعانته ، أو وساطته ، أو دعائه وشفاعته .
(كُرْبَةً) ، وهي في أصل اللغة : ما يأخذ النفس من الغم .
والمعنى : فرج وأزال هماً واحداً من هموم الدنيا ؛ أي هم كانَ ، صغيراً أو كبيراً ؛ من عِرضه وغرضه، وعَده وعُدده، وهذا فيما يجوز شرعاً، وأما ما كان محَرماً أو مكروها، فلا يجوز تفريجه، ولا تنفيسه.
(مُعْسِرٍ) : هو من ركبه الدَّين ، وتعسر عليه قضاؤه بالإنظار أو بالإبراء ، أو يُراد بالعسر ؛ مطلق الفقر ، فيُسَهل عليه أمره ، بالهبة أو الصدقة أو القرض .

و(فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) ؛ أي : إعانته ، (مَا كَانَ الْعَبْدُ) ؛ أي : مدة دوام كونه (فِي عَوْنِ أَخِيهِ) ؛ أي : إعانته بماله ، أو جاهه ، أو قلبه ، أو بدنه" .
"صحيح الترغيب" (1 / 137) .

قال القاري : "(عَنْ مُؤْمِنٍ) : أَيَّ مُؤْمِنٍ ؛ وَلَوْ كَانَ فَاسِقاً ؛ مُرَاعَاةً لِإِيمَانِهِ .

(وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) ؛ أَيْ : سَهَّلَ عَلَى فَقِيرٍ ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ ؛ أَيْ : مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَسَهَّلَ عَلَيْهِ بِإِمْهَالٍ أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ .
ولاَ يَخْفَى أَنَّ الْمُعْسِرَ ، وَصَاحِبَ الْكُرْبَةِ ؛ هُوَ الْمُرِيدُ فِي وَادِي الْغُرْبَةِ ، الْمُحْتَاجُ إِلَى قَطْعِ الْعَقَبَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ ، وَالْمُنَازِلِ الظُّلُمَانِيَّةِ" .
"مرقاة المفاتيح" (1 / 454-455 / حديث 204) .


قلتُ : وهذه دعوة للمسلمين في المشارق والمغارب مِن خلال كلمات هذا الحديث الشريف !

قال النووي :
"وَمَعْنَى نَفَّسَ الْكُرْبَةَ : أَزَالَهَا .وَفِيهِ – أي : الحديث- : فَضْلُ قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ وَنَفْعِهِمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مُعَاوَنَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ بِمَصْلَحَةٍ أَوْ نَصِيحَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَفَضْلُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ " . "شرح مسلم" (17 / 21) .
مَن أراد أن يُفَرِّج اللهُ همّه ويُنفِّس كربه ويزيل غمّه ويُيسِّر عسيره وأمره ، وفوق هذا كله ؛ مَن أراد اللهَ أن يكون معه ومعينه ؛ فلا يبخل على أخيه المسلم وخاصة بالمال ؛ فإنه عصب الحياة اليوم – كما يقال- .


[2] قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى : أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى :
1) سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ .
2) أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً .
3) أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً .
4) أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعاً .
وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ ؛
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ – شَهْراً ،
وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ ؛ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ) .

أخرجه الطبراني في "الكبير" (12 / 453 / 13468) وغيره . وصححه الألباني في "الصحيحة" (906) ، و"صحيح الجامع" (176) ، و"صحيح الترغيب" (2623) .

تأملوا حين تقرؤوا ؛ ما يحبه الله من أعمالك يا عبد الله ، وتأملوا عِظم ثواب قضاء حاجة مسلمٍ عن الاعتكاف في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ الذي الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام !

وتنبهوا لكلمة (حَاجَةٍ) في الحديث ؛ جاءت نكرة ، وهي تفيد العموم ؛ أيّ حاجة كانت ، صغيرة أو كبيرة .

فهنيئاً لمن كسب الثواب الذي في هذه الأحاديث النبوية الشريفة . ونغبطه على ذلك .


نماذج لمِنْ عَلِمَ وحَفِظَ النصوص ؛ فعمل بها ولم يستهن بالفصوص .

وأُقدِّم قُدوتُنا وأُسوتنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على كُلِّ أحد .

فَعَنْ بِنْتٍ لِخَبَّابٍ قَالَتْ : "خَرَجَ خَبَّابٌ فِي سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَاهَدُنَا حَتَّى (كَانَ يَحْلُبُ عَنْزاً لَنَا ، فَكَانَ يَحْلُبُهَا فِي جَفْنَةٍ لَنَا فَكَانَتْ تَمْتَلِئُ حَتَّى تَطْفَحَ أَوْ يَفِيضَ) . قَالَتْ : فَلَمَّا قَدِمَ خَبَّابٌ ؛ حَلَبَهَا فَعَادَ [فَرَجَعَ] حِلَابُهَا إِلَى مَا كَانَ . قَالَ : فَقُلْنَا لِخَبَّابٍ : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلُبُهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ جَفْنَتُنَا) ؛ فَلَمَّا حَلَبْتَهَا ؛ نَقَصَ [رَجَعَ] حِلَابُهَا" . 

 أخرجه أحمد (5 / 111 و 6 / 372) ، قال الهيثمي في "مجمع الزائد" (8 / 312) : "رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ الْقَائِشِ وَهُوَ ثِقَةٌ" .
وانظر "إتحاف المهرة" (18 / 358 / 23716) ، و "أطراف المسند" (9 / 482 / 12756) كلاهما لابن حجر .

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : "أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ! إِنِّي لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً ، فَقَالَ :
(يَا أُمَّ فُلَانٍ ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ ؛ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ) ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ ؛ حَتَّى فرغت من حَاجَتهَا". رَوَاهُ أحمد (3 / 285) ، مُسلم (2326) – واللفظ له - ، أبو داود (4818، 4819) .

والمعنى : تنحى بها جانبا ، ووقف معها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق مسلوك ؛ ليقضي حاجتها ؛ بحيث لا يسمع الناسُ كلامهما ولكنهم يرونهما وقد يسمعوا بعضه .
"وَفِي الحَدِيثِ : سَعَةُ حِلْمِهِ ، وَتَوَاضُعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَبْرِهِ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ" . "الفتح" (9 / 333) .


قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ :
"خَرَجَ عُمَرُ لَيْلَةً فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ، فَدَخَلَ بَيْتاً ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ؛ ذَهَبْتُ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ ، فَإِذَا عَجُوزٌ عَمْيَاءُ مُقْعَدَةٌ ، فَقُلْتُ لَهَا : مَا بَالُ هَذَا الرَّجُلِ يَأْتِيكِ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّهُ يَتَعَاهَدُنِي مُدَّةَ كَذَا وَكَذَا ؛ يَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي ، وَيُخْرِجُ عَنِّي الْأَذَى" .
"حلية الأولياء" (5 / 48) ، و"التبصرة" (1 / 427) لابن الجوزي ، و "البداية والنهاية" لابن كثير (7 / 135) ط. المعارف - بيروت و(10 / 185) . ط. هجر .


"بَعَثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ لِرَجُلٍ ، وَقَالَ لَهُمْ : "مُرُّوا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، فَخُذُوهُ مَعَكُمْ ، فَأَتَوْا ثَابِتاً ، فَقَالَ : أَنَا مُعْتَكِفٌ ، فَرَجَعُوا إِلَى الْحَسَنِ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : قُولُوا لَهُ :
يَا أَعْمَشُ ! أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَشْيَكَ فِي حَاجَةِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ ؛ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ ؟ فَرَجَعُوا إِلَى ثَابِتٍ ، فَتَرَكَ اعْتِكَافَهُ ، وَذَهَبَ مَعَهُمْ" .


"كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ ، قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ : الْآنَ لَا يَحْلِبُهَا .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ شَيْءٍ كُنْتُ أَفْعَلُهُ" ، أَوْ كَمَا قَالَ .
وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُومُونَ بِالْحِلَابِ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَحْلِبُ النِّسَاءُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَسْتَقْبِحُونَ ذَلِكَ، فَكَانَ الرِّجَالُ إِذَا غَابُوا، احْتَاجَ النِّسَاءُ إِلَى مَنْ يَحْلِبُ لَهُنَّ .
"كَانَ أَبُو وَائِلٍ ؛ يَطُوفُ عَلَى نِسَاءِ الْحَيِّ وَعَجَائِزِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ ، فَيَشْتَرِي لَهُنَّ حَوَائِجَهُنَّ وَمَا يُصْلِحُهُنَّ" .


"صَحِبَ رَجُلٌ قَوْماً فِي الْجِهَادِ ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمَهُمْ ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ أَوْ ثَوْبَهُ ، قَالَ : هَذَا مِنْ شَرْطِي ، فَيَفْعَلُهُ ، فَمَاتَ فَجَرَّدُوهُ لِلْغُسْلِ ، فَرَأَوْا عَلَى يَدِهِ مَكْتُوباً : مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَنَظَرُوا ، فَإِذَا هِيَ كِتَابَةٌ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ" .
نقل هذه الآثار ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص 298-299) . والله أعلم بحالها .


"كَانَ زُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَيَامِيُّ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ مَطِيرَةٌ ؛ أَضَاءَ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ ، فَطَافَ عَلَى عَجَائِزِ الْحَيِّ ، فَقَالَ :
أُوكِفُ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ ، أَتُرِيدُونَ نَاراً ؟
فَإِذَا أَصْبَحَ ؛ طَافَ عَلَى عَجَائِزِ الْحَيِّ ، وَيَقُولُ : أَلَكُمْ فِي السُّوقِ حَاجَةٌ ، أَتُرِيدُونَ شَيْئاً ؟" . "حلية الأولياء" (5 / 31) .


وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ :
"لَأَنْ أَعُولَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَهْراً أَوْ جُمُعَةً ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ – يعني : بَعْدَ حَجَّةِ الإسلام - ، وَلَطَبَقٌ بِدَانقٍ أُهْدِيهِ إِلَى أَخٍ لِي فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دِينَارٍ أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" . "الحلية" (1 / 328) ، و "صفة الصفوة" (1 / 373 / 119) .


وَعَنْ جَابِرِ بْن زَيْدٍ قَالَ :
"لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ عَلَى يَتِيمٍ أَوْ مِسْكِينٍ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ" . "الحلية" (3 / 89) ، و "صفة الصفوة" (3 / 237 / 501) .


وَقَالَ سَعِيد بْن المسيب : " لَأَنْ أُشْبِعَ كَبِداً جائعةً ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ" . "روضة العقلاء" لابن الجوزي (1 / 262) .


وَعَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، ثنا مَعْمَرٌ : "أَنَّ طَاوُساً ؛ أَقَامَ عَلَى رَفِيقٍ لَهُ مَرِيضٍ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ" . "الحلية" (4 / 10) .

تأملوا يا عباد الله هذا الفقه !
كيف قدّموا إطعام المحتاج وخدمة الضعيف على الحجة – النافلة – التي يرجع بعدها المسلم من ذنوبه كيوم ولدته أمه !

احذروا المجاهرة بإطعام الجائع وسدِّ حاجة المحتاج !

عن شيبة بن نعامة قال : "كان علي بن الحسين يُبَخَّل ، فلما مات ؛ وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة" .
"يُبَخَّل" ؛ أيْ : كان يُرمى ويُتهم بالبخل ، وكأن ذلك تظاهراً منه بالبخل بُعْداً عن الرياء والسَّمعة .

وعن محمد بن إسحاق قال : "كان ناس من أهل المدينة ؛ يعيشون ، لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين ؛ فقدوا ما كانوا يُؤتَوْن به بالليل" . "صفة الصفوة" (1 / 96 / 165) .

استشعر رحمه الله تعالى قَوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) .
رواه الطبراني في "الأوسط" (1 / 289 / 943 و 3 / 378 / 3450) .

وَقَوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) . أخرجه البخاري (1357، 6421) ، ومسلم (1031) .

قَالَ الترمذي في "جامعه" :
"صَدَقَةَ السِّرِّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ لِكَيْ يَأْمَنَ الرَّجُلُ مِنَ العُجْبِ، لِأَنَّ الَّذِي يُسِرُّ العَمَلَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ العُجْبُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ عَلَانِيَتِهِ" . (5 / 181) .


يا عبدَ الله ! لا تنتظر المكافأة على ما تُعْطِي وتُنفق وتُطعم المحتاجين أو تقوم على قضاء حاجة مسلم .

قضى ابن أبي شبرمة لبعض إخوانه حاجة كبيرة ، فجاءه الرجل بهدية جليلة ، فقال : ما هذا فقال : ما أسديتَ إليَّ ، فقال : خذ مالك ، عافاك الله .
إذا سألتَ أخاك حاجة ؛ فلم يَجْهَد نفسه في قضائها ؛ فتوضأ للصلاة ، وكبّر عليه أربع تكبيرات ، وعُدّه في الموتى" .
وعلى ذلك قال بعضهم : إذا اسْتَقْضَيْتَ أَخَاكَ حَاجَةً فَلَمْ يَقْضِهَا فَذَكِّرْهُ ثَانِيَةً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيَ ، فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد يكون شغل عنها بعذر، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا فَكَبِّرْ عَلَيْهِ وَاقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ : {والموتْىَ يَبْعَثُهُمْ اللهُ} [الأنعام : 36] .
"قوت القلوب في معاملة المحبوب" (2 / 374) لأبي طالب المكي محمد بن علي الحارثي (ت 386هـ) .

يُنفقون ويعملون الخير يبتغون بذلك وجه الله تعالى.
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما :
"يَا بُنَيَّ ، إِنِّي أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَاباً ضِعَافاً ، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ ؛ أَعْتَقْتَ رِجَالاً جُلْداً ؛ يَمْنَعُونَكَ ، وَيَقُومُونَ دُونَكَ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا أَبَتِ ! إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ – يعني: وَجه الله -، قَالَ : فَيُتَحَدَّثُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إِلَّا فِيهِ ، وَفِيمَا قَالَ أَبُوهُ : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} إِلَى قَوْله : {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل : 6] .
أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (1 / 95 / 66 و 237 / 291) ، والحاكم (2/ 525) وقال : "حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" .


عنْ سَلَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ دِينًا عَلَيْهِ ، فَكَتَبَ لَهُ إِلَى وَكِيلٍ لَهُ ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ قَالَ لَهُ الْوَكِيلُ : كَمِ الدَّيْنُ الَّذِي سَأَلْتَ فِيهِ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْكَ ؟ قَالَ : سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ .
فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللهِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَأَلَكَ أَنْ تَقْضِيَ عَنْهُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَكَتَبْتَ إِلَيْهِ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ؛ قَدْ فَنِيَتِ الْغَلَّاتِ .
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ : إِنْ كَانَتِ الْغَلَّاتُ قَدْ فَنِيَتْ ، فَإِنَّ الْعُمُرَ أَيْضًا قَدْ فَنِيَ فَأَجْرِ لَهُ مَا سَبَقَ بِهِ قَلَمِي لَهُ" .
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (7 / 447 / 10945) ، ونقله ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (4 / 142) .


قَالَ حَكِيْمُ بنُ حِزَامٍ : مَا أَصْبَحْتُ وَلَيْسَ بِبَابِي صَاحِبُ حَاجَةٍ ، إِلاَّ عَلِمْتُ أَنَّهَا مِنَ المَصَائِبِ الَّتِي أَسْأَلُ اللهَ الأَجْرَ عَلَيْهَا" . "سير أعلام البنلاء" (3 / 51) .


وعَنْ سَلَّام بْنِ أَبِي مُطِيعٍ : قَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ : "لَوْلَا الْمَسَاكِينُ مَا اتَّجَرْتُ" . "الحلية" (3 / 116) ، و "صفة الصفوة" (3 / 340 / 543) ، و "تهذيب الكمال" (6 / 28 / 1190) ، و "تاريخ الإسلام" (8 / 74) تدمري .


عنْ عبَّاسِ بنِ عُمَرَ الكلوذاني قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّد بْن عَبْد الوَاحِد الزَّاهِد الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب ، يَقُوْلُ :
"تَرْكُ قَضَاء حُقُوق الإِخْوَانِ ؛ مَذَلّة ، وَفِي قَضَاء حُقُوقهُم ؛ رِفْعَة ، فاحمدوا الله على ذلك ، وسارعوا في قضاء حوائجهم ومسَارِّهم ، تَكَافَؤا عليه" .
"تاريخ بغداد" (2 / 356 / 865) ، و "طبقات الحنابلة" (2 / 68) ، و "نزهة الألباب" (ص 210) لأبي البركات الأنباري ، "معجم الأدباء" (6 / 2559) لياقوت الحموي ، و "السير" (15 / 510) .


وقضاء الحوائج لا يقتصر على النفع بالمال ، ولكن قضاء الحوائج نفعٌ متعدي : بالجاه ، والسلطان والعلم ، بالنصيحة ، حمل المتاع ، والمشورة ، وإعطاء العارية ...

واحذروا يا أصحاب النِّعم أن تمنعوها المحتاج ؛ فيُفقدكُمُوها الوهاب .

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى قَوْماً ؛ يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ، فَإِذَا مَنَعُوهَا ؛ نَزَعَهَا مِنْهُمْ ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ) .
"الصحيحة" (1692) ، و "صحيح الجامع" (2164) .

والمعنى : أنّ النِّعم تبقى وتستمر في أيدي أهلها ؛ شريطة أنْ يُعطوا منها المسكين ، والفقير ، وذي الحاجة ..، فإذا حبسوها وبخلوا بها ؛ عاقبهم الباري بنزعها من بين أيدهم ؛ ووضعها بأيدي غيرهم ليقوموا بحقها في المسلمين .

فسبحان ربي ! كم رأينا في هذه الحياة مَن كان ذا نعمة وفي رغد من العيش ؛ فانقلب في زمنٍ وجيز إلى مُتَكَفِّف !
{ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [آل عمران : 140] .


قلتُ في الختام :
عَجبتُ لأقوامٍ مقتدرين أغنياء ؛ يشكون الأمراض ويبحثون العلاج ؛ والدواء بين أيديهم وتيسر ، وأسهل ما عليهم يكون .
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ) .
قال الألباني : " حسنٌ لغيره . رواه أبو داود في "المراسيل" - قلتُ : هو برقم (105) - ، ورواه الطبرانى – قلتُ : في "الأوسط" (2 / 274 / 1963) و "الكبير" (10 / 158 / 10196)- ، والبيهقي – قلتُ : في "الكبرى" (3 / 382)- ، وغيرهما عن جماعة من الصحابة مرفوعاً متصلاً ، والمرسل أشبه .
لأنه مع إرساله حسن الإسناد ، وما أشارَ إليه من الروايات عن الجماعة لا تخلو من ضعف بعضه شديد ، وقد خرجت طائفة منها في "الضعيفة" (575 و3492 و6162) ، وهي على اختلاف ألفاظها ، قد اتّفقت على جملة المداواة هذه ، ولذلك حسَّنتُها . والله أعلم . وانظر إن شئت "المقاصد" للحافظ السخاوي (190 - 191) .
انتهى من "صحيح الرغيب" (1 / 458/ رقم الحديث 744) .


فلو أنّهم فعلوا ما يُعضون به ؛ لجمعوا حسناتٍ عدَّة : أجر الصدقة ، وتنفيس كربة مسلمٍ بالتصدّق عليه ، وإزالة همٍّ عن مسلم بسداد دينه ، وإدخال الفرح والسرور إلى أسرة وأيتام ، و..، و..، وأخيراً وليس بالأخير ؛ يجعل اللهُ في بدنه الصّحة والعافية والبركة في ماله وولده ؛ كل هذا بسبب هذه الصدقة .
فيا ليت قومي يسمعون أو يعقلون !

وأعجبني هنا أبيات في هذا المقام ونسبها بعضهم إلى الشافعي والله أعلم :
النَّاس بِالنَّاسِ مَا دَامَ الْحَيَاةُ بِهِمْ ........ وَالسَّعْدُ لا شَكَّ تَارَاتٌ وَتَارَاتُ
وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الْوَرَى رَجُلٌ ..... تُقْضَى على يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتُ
لا تَمْنَعَنَّ يَدَ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَحَدٍ ....... مَا دُمْتَ مُقْتَدِراً فَالسَّعْدُ تَارَاتُ
وَاشْكُرْ فَضَائِلَ صُنْعِ اللهِ إِذْ جُعِلَتْ ...إِلَيْكَ لا لَكَ عِنْدَ النَّاسِ حَاجَاتُ
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ ... وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ
تنبيه :
كلمة "الفُصُوص" التي جاءت في العنوان ؛ جمع "فِصّ" : وهو ما يُرَكَّبُ في الخاتم من الأحجار الكريمة وغيرها وهي ثمينة جداً ، فعبرتُ بذلك كنايةً عن ثمرةِ العِلْم وحفظ النصوص ؛ غالياً وثميناً ، أَلاَ وهو العمل والتطبيق لما عَلِمتَ وحفظتَ يا مسلم يا عبد الله !
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

كتبه /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

الاثنين، 1 أغسطس 2016

من آداب زيارة المريض مواساته وبثّ روح الطمأنينة في نفسه ؛ لا إهداؤه كفن الموت !


قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (عُودُوا الْمَرِيض) . رَوَاهُ البُخَارِيّ - وغيره - (2881) في مواضع عدة في "صحيحه" .
من آداب ومقاصد الشريعة في زيارة المريض :
مُواساةٍ ومؤازرة لذلك المريض ، وبثِّ روح الطّمْأنة في نفسه ، وتَطْيِّيب نفس المريض فيهدأُ قلبُه معها ، وتَشُدّ مِن أزْره ، وتسليته بكلام طيب جميل تطيب به نفسه كما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ، ويقول إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ :
( لاَ بَأْس َ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) .
رواه البخاري (3420) .
ومن مقاصد زيارة المريض والدعاء له بالشفاء :
أنها تَبعث في المريض روح الأمل في الشفاء بإذن الله تعالى إذا ارتبطت الزيارة بالدعاء له بالشفاء ، لأن الدعاء بالشفاء للمريض يعني أن يصح ويكون عضواً فعالاً في المجتمع ، ينفع نفسه بالأعمال الصالحة كلما طال عُمره ، فيمشي إلى صلاة ويُغَبِّر رجليه في الجهاد في سبيل الله ، ويصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله ، ويغيض عدواً ؛ وهلمجر .. من الأعمال الصالحة ، ومصداق ذلك في الحديث :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضاً ، قَالَ : "اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ ، يَنْكَأُ لَكَ عَدُوّاً ، وَيَمْشِي لَكَ إِلَى الصَّلَاةِ [جَنَازَةٍ]") .
رَوَاهُ أَحمد (2 / 172) ، وأبو داود (3107) ، وابن حبان (2974) ، والحاكم (1 / 344، 549) . وهو صحيح .

وليس من مقاصد زيارة المريض ؛ أن تدُّب في نفسه اليأس والقنوط وتزيد من همومه وآلامه بتذكيره الموت ؛ بإحضار الكفن له عند زيارتك له .
بل وليس ذلك من الحكمة ولا من أفعال العقلاء – ناهيك أن يكون ذلك سبباً لاتهام الشريعة ، واستهجان دُعاتها مِن قِبل العامة - ، لأن النفس البشرية مجبولة على حب الحياة والبقاء وطول الأمل ، كما في الحديث :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الشَّيْخُ يَكْبَرُ وَيَضْعُفُ جِسْمُهُ ، وَقَلْبُهُ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ : حُبُّ [طُولِ] الْحَيَاةِ [الْعُمُرِ] [الْعَيْشِ]، وَحُبِّ الْمَالِ) .
رَوَاهُ أَحمد (2 / 317، 501) ، ومسلم (1046) ، والترمذي (2338) ، وابن ماجه (4233) ، وابن حبان (3230) ، والحاكم (4 / 328) . وهو صحيح .
وَأَمَّا حدِيثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ : الْمَوْتِ ) .
رَوَاهُ أحمد (2 / 292) ، وَالتِّرْمِذِيُّ (2307) ، وَالنَّسَائِيّ (1824) ، وَابْن مَاجَه (4258) . وهو صحيح .
فليس معناه ؛ أن نذكر الموت عند المريض ؛ فنزيده هماً وغماً ومرضاً على مرض ويأساً من الحياة ؛ لأن ذلك ليس من مقاصد الزيارة للمريض كما سبق بيانه ، بل هذا الحديث : لزجر المسلم وردعه عن المعاصي والذنوب لئلا يستمر فيها ولا يستمر على الكون إلى الدنيا والانشغال بها عن الآخرة في حال صحته وعافيته ، وتحفيزاً للمسلم على فعل الصالحات والتوبة قبل أن يباغته الموت .
قال الصنعاني :
"وَالْحَدِيثُ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ أَعْظَمِ الْمَوَاعِظِ وَهُوَ الْمَوْتُ ، وَعَنْ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا : (أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَمْحَقُ الذُّنُوبَ وَيُزْهِدُ فِي الدُّنْيَا فَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْغِنَى هَدَمَهُ ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْفَقْرِ أَرْضَاكُمْ بِعَيْشِكُمْ)" .

"سبل السلام" (2 / 184) عطا . و (2 / 533) الخولي .

كتبه /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

كَيفَ يُفَكِّرُ العَاقِلُ بألْفَاظِه قبْلَ أنْ يتكَلَّم!



بسم الله الرحمن الرحيم

• قالَ الإمامُ ابنُ القيّم -رحمَهُ اللهُ-:
"-وَأَمَّا (اللَّفَظَاتُ)؛ فَحِفْظُهَا بِأَنْ لَا يُخْرِجَ (لَفْظَةً ضَائِعَةً)!
بَلْ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو فِيهِ (الرِّبْحَ وَالزِّيَادَةَ فِي دِينِه)ِ!
 فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ؛ نَظَرَ: هَلْ فِيهَا رِبْحٌ وَفَائِدَةٌ، أَمْ لَا؟
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رِبْحٌ؛ أَمْسَكَ عَنْهَا
وَإِنْ كَانَ فِيهَا رِبْحٌ؛ نَظَرَ: هَلْ تَفُوتُهُ بِهَا كَلِمَةٌ أَرْبَحُ مِنْهَا، فَلَا يُضَيِّعُهَا بِهَذِهِ؟

- وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْتَدِلَّ عَلَى (مَا فِي الْقَلْبِ)؛ فَاسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِـ (حَرَكَةِ اللِّسَانِ)!
 فَإِنَّهُ يُطْلِعُكَ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ، شَاءَ صَاحِبُهُ أَمْ أَبَى!
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الْقُلُوبُ كَالْقُدُورِ؛ تَغْلِي بِمَا فِيهَا، وَأَلْسِنَتُهَا مَغَارِفُهَا!
فَانْظُرْ إِلَى الرَّجُلِ حِينَ يَتَكَلَّمُ؛ فَإِنَّ لِسَانَهُ يَغْتَرِفُ لَكَ بِمَا فِي قَلْبِهِ: (حُلْوٌ وَحَامِضٌ، وَعَذْبٌ وَأُجَاجٌ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَيُبَيِّنُ لَكَ طَعْمَ قَلْبِهِ اغْتِرَافُ لِسَانِهِ!
أَيْ: كَمَا تَطْعَمُ بِلِسَانِكَ طَعْمَ مَا فِي الْقُدُورِ مِنَ الطَّعَامِ؛ فَتُدْرِكُ الْعِلْمَ بِحَقِيقَتِهِ
 كَذَلِكَ تَطْعَمُ مَا فِي قَلْبِ الرَّجُلِ مِنْ لِسَانِهِ
فَتَذُوقُ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ لِسَانِهِ، كَمَا تَذُوقُ مَا فِي الْقِدْرِ بِلِسَانِكَ!
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ: ((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ!))*. اهـ‍
"الجواب الكافي لمن سأل عن الدّواء الشّافي"، (ص: 158-159)، ط1(1418هـ‍)، دار المعرفة، المغرب.
*أخرجهُ أحمدُ وغيره، وصحَّحهُ والدي، -رحمَهُم الله- يُنظر: "سلسلته الصَّحيحة"، (2841).
- - -
الأحد 26 شوّال 1437هـ‍