آخر المواضيع المضافة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات منبر الزهد والرقائق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منبر الزهد والرقائق. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 مارس 2017

( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) .

روى البخاري (2067) ومسلم (2557) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) .
قال الشيخ الألباني رحمه الله في "صحيح الأدب المفرد" (1 / 24) :
" الحديث على ظاهره ، أي : أن الله جعل بحكمته صلة الرحم سبباً شرعياً لطول العمر وكذلك حسن الخلق وحسن الجوار كما في بعض الأحاديث الصحيحة ، ولا ينافي ذلك ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن العمر مقطوع به ؛ لأن هذا بالنظر للخاتمة ، تماماً كالسعادة والشقاوة ، فهما مقطوعتان بالنسبة للأفراد فشقي أو سعيد ، فمن المقطوع به أن السعادة والشقاوة منوطتان بالأسباب شرعاً .
وكما أن الإيمان يزيد وينقص ، وزيادته الطاعة ونقصانه المعصية ، وأن ذلك لا ينافي ما كتب في اللوح المحفوظ ، فكذلك العمر يزيد وينقص بالنظر إلى الأسباب فهو لا ينافي ما كتب في اللوح أيضاً " انتهى .
 
قال الطحاوي رحمه الله :
" يحتمل أن يكون الله عز وجل إذا أراد أن يخلق النسمة جعل أجلها إن برت كذا وإن لم تبر كذا ، لما هو دون ذلك ، وإن كان منها الدعاء رد عنها كذا ، وإن لم يكن منها الدعاء نزل بها كذا ، وإن عملت كذا حرمت كذا ، وإن لم تعمله رزقت كذا ، ويكون ذلك مما يثبت في الصحيفة التي لا يزاد على ما فيها ولا ينقص منه " انتهى .
"بيان مشكل الآثار" (7 / 202) .
 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" الْأَجَلُ أَجَلَانِ " أَجَلٌ مُطْلَقٌ " يَعْلَمُهُ اللَّهُ " وَأَجَلٌ مُقَيَّدٌ " وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمَلَكَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ أَجَلًا وَقَالَ : " إنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زِدْتُهُ كَذَا وَكَذَا " وَالْمَلَكُ لَا يَعْلَمُ أَيَزْدَادُ أَمْ لَا ؛ لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ " انتهى .
"مجموع الفتاوى" (8 / 517) .
 
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :
" معناه : أن الله سبحانه وتعالى وعد من يصل رحمه أن يثيبه وأن يجزيه بأن يطيل في عمره ، وأن يوسع له في رزقه جزاءً له على إحسانه .
 
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الذي فيه أن كل إنسان قد قدر أجله ورزقه وهو في بطن أمه ؛ لأن هناك أسبابًا جعلها الله أسبابًا لطول العمر وأسبابًا للرزق ، فهذا الحديث يدل على أن الإحسان وصلة الرحم سبب لطول الأجل وسبب لسعة الرزق ، والله جل وعلا هو مقدر المقادير ومسبب الأسباب ، هناك أشياء قدرها الله سبحانه وتعالى على أسباب ربطها بها ورتبها عليها إذا حصلت مستوفية لشروطها خالية من موانعها ترتبت عليها مسبباتها قضاءً وقدرًا وجزاءً من الله سبحانه وتعالى " انتهى .
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (98 / 1) .

السبت، 3 سبتمبر 2016

الشيخ محمد بن هادي المدخلي-حفظه الله- يبكي بحرقة لشدة غربة أهل الاستقامة

الشيخ محمد بن هادي المدخلي-حفظه الله- يبكي بحرقة لشدة غربة أهل الاستقامة

التفريغ للمقطع
حديثه عن غربةالرجل مع أهله .
((سَمِعَ عمرُ بن عبد العزيز امرأتَهُ مَرَّةً تقول :أراحَنا الله منك. فقال آمين....
الشيخ :وهذا أشَدُّ ما يكون الغُربة ،هذا أشد ما يكون فيه الغُربة،حينما يُنكر الرَّجُلَ أهلُهُ و وَلَدُهُ يُنكرون حالَه ولا يَجِدُ منهم علي الحق مُعيناً ، بل يجد منهم المُستثقِلَ له فهذا الرَّجُل الأن سَمِعَ زوجتَه وهو خليفة .. عمر بن عبد العزيز سمعها و هي تقول : أراحنا اللهُ منك . قال : آمين. فاطمة بنت عبد الملك وذلك لأنه -رضي الله عنه- كان علي الطريقة الكاملة علي السُّنَّة بمعناها الكامل الذي سَمِعتُمُوه قبل قليل عن فُضَيْل بن عِياض -رضي اللهُ تعالى عنه- حينما كان يُؤاخِذ نَفْسَه ويُحاسِبها -رضي الله عنه يُحاسبها في الحلال و طالحرام ويُجاهدها في السُّنَّة ومُحاربة البدع وأهلها.
قد كان يُناظِر أهلَ البِدَع كما حصل منه مع الخَوارِج وكما حصل منه مع القدرية ، وكتابُه في مُناظرتِه للقدر معروف
و كتابَتِهِ في رَدِّه علي القدرية معروف في سُنَن أبي داود -رحمه الله تعالي- من رواية أبي بكر بن باسه عن أبي داود -رحمه الله تعالي- في رَدِّه علي المُنكِر للقدر ، فقد كان مُجاهِداً -رحمه الله تعالي- لأهل الأهواء و البِدَع و لأهل الشهوات من أُمَراء بني أُميّة من أهلِهِ من بني عُمُومَتِهِ ، فقد نَزَعَ منهم المظالم و رَدَّها إلي أصحابها
و تَحَرَّي الحلال و كان خليفةً لكنّه كان كأحد الناس لا يأخُذ إلا ما يقُوتُه -رضي الله عنه فثَقُلَ ذلك علي أولادِه ، يُريدون يعيشوا عِيشـة الملوك عِيشَة البذخ في هذه الحياة الدنيا ، وهو يُريد أن يعيشَ عِيشَة مُلُوك الأخِرة ، فلا يأخُذ إلا ما له و ما يَحِلُّ له أخذُه ، فَشَقَّ ذلك عليهم فوَصَل الأمر إلي درَجة أنْ زوجَتَه سَمِعَها ذات يوم ما كانت ... كأنها تُريد -والله أعلم- ولكنه سَمِعَها و هي تقول : أراحنا الله مِنك. فقال : آمين.
يعني كما أنتم تطلبون الراحة مني أنا أري راحتكم مني راحة لِيا منكم.
فإذا وصل المرء إلي هذه الدرجة فما بقي له في الحياة؟؟ -نسأل الله العافية و السلامة -
وهذا موجود الأن ،بعض النِساء و بعض الأولاد مع أبائِهم ممن قَلَّ تَوْفيق الله لهم : أنت مُتَعَصِّب .. أنت مُتَشَدِّد .. أنت مُتَحَجِّر .. أنت من العصر الحجري .. أنت ضَيَّقت علينا .. أنت ما تفعل للناس .. هذا للمشايخ ، هذا هم يطلعون في التِلفزيون و انظُر إلي أحوالِهِم و انظر إلي بُيُوتِهم .. هؤلاء .. و أنت ما عِندك إلا هذا حرام هذا حرام هذا موجود موجود و يَعرِفُهُ كثيرٌ منكم ، لكن هؤلاء إنما نَظَروا إلي الدنيا و هم أقربُ الناسِ إليك و أعرفُ الناسِ بِك ما يُريدون إلا الدنيا ما ينظُروا إلي ما تنظُر أنت إليه ولا يخطُرُ بِبَالِهم ما يخطُر بِبَالِك ؛ فلذلك استثقلوك ، فإذا وصل الأمرُ إلي هذه الدرجة فكما قال عمرُ بن عبد العزيز -رضي الله عنه- آمين ، أراحكم الله مني و أستريحُ أيضاً أنا هذا موجود موجود في كثير من الأُسَر ، و الناس كما قال الله -جلَّ و علا- "و إنْ تُطِع أكثرَ مَن في الأرض يُضِلّوك عن سبيل الله إن يتَّبِعون إلا الظَنَّ و إنْ هُم إلا يَخرُصون."
و يقول جَلَّ و علا "إنّما أموالكم و أولادكم فِتنة"
و يقول "إنّ من أزواجكم و أولادِكم عَدُوّاً لكم فاحذروهم"
و مع ذلك أَمَرَ بالصبر "و إنْ تعفوا و تصفحوا و تغفروا فإنّ الله غفور رحيم"
هذه فتنةٌ عظيمة ، غُربَة صاحب السُّنَّة إذا وصلت إلي غُربَتِه في أهل بيته فهي والله المصيبة .. عظيمة ، لا تَجِدُ أنصار لك حتي في أهل بيتِك .
تَجِد ُ المُحارِب لك من أهلِكَ و زوجِكَ و وَلَدِكَ ، هذه مُصيبةٌ عظيمة ؛ فعليك أنْ تَضَرَّع بالصبر و تَدعُوَ الله -جَلَّ و علا- بالثبات نسأل الله -جَلَّ و علا- أنْ يُثَبِّتنا و إيّاكُم علي الحق و الهدي و أنْ يُنَوِّر بصائِرَنا إنه جوادٌ كريم..
وصلي الله و سلم و بارك علي عبده و رسوله و نبينا محمد

منقول من شبكة الامين السلفية

السبت، 13 أغسطس 2016

ازرع خيرا تحصد خيرا

يقول الملياردير السعودي الراجحي :" كنت فقيرا...لدرجة انني عجزت عن الاشتراك في رحلة للمدرسة قيمة المشاركة فيها ريال سعودي واحد رغم بكائي الشديد لأسرتي التي لم تكن تملك الريال).. و قبل يوم واحد من الرحلة اجبت اجابة صحيحة فما كان من معلم الفصل فلسطيني الجنسية الا ان اعطاني ريالا مكافأة مع تصفيق الطلبة.... حينها لم افكر وذهبت مسرعا واشتركت في الرحلة وتحول بكائي الشديد..الى سعادة غامرة استمرت اشهرا..
يضيف كبرت وذهبت الايام وغادرت المدرسة الى الحياة ... وفي الحياة وبعد سنوات من العمل وفضل الله ..عرفت العمل الخيري.. وتذكرت ذلك المدرس الفلسطيني الذي اعطاني الريال...
وبدأت اسأل نفسي هل اعطاني ريال صدقة ام مكافأة فعلا..
يقول لم اصل الى اجابة .. لكنني قلت انه ايا كانت النية فقد حل لي مشكلة كبيرة وقتها ودون ان اشعر انا او غيري بشئ..هذا جعلني اعود الى المدرسة بحثا عن هذا المدرس الفلسطيني.. حتى عرفت طريقه...فخططت للقائه والتعرف على احواله..
يضيف الراجحي قائلا... التقيت هذا المدرس الفاضل. .. ووجدته بحال صعبة بلا عمل ويستعد للرحيل...فلم يكن الا ان قلت له بعد التعارف ياأستاذي الفاضل لك في ذمتي دين كبييير جدا منذ سنوات.... قال وبشدة ليس لي دين على احد.... وهنا سألته هل تذكر طالبا اعطيته ريالا.. لانه اجاب كذا وكذا بعد تذكر وتأمل قال المدرس ضاحكا نعم...نعم.... وهل انت تبحث عني لترد لي ريالا... يقول الراجحي .. قلت له نعم.....وبعد نقاش اركبته السيارة معي وذهبنا و وقفنا امام فيلا جميلة ونزلنا ودخلنا فقلت له يا استاذي الفاضل هذا هو سداد دينك مع تلك السيارة وراتب تطلبه مدى الحياة .. ذهل المدرس ..لكن هذا كثييير جدا..لكن قلت له صدقني ان فرحتي بريالك وقتها اكبر بكثيييييير من فرحتك بالفيلا و السيارة .. ما زلت لا انسى تلك الفرحة...
و يقول الملياردير الراجحي في الأخير : "ادخل فرحة وفرج كربة وانتظر الجزاء من الكريم ."
للتذكير : سجلت موسوعة جنيس للأرقام القياسية أكبر وقف خيري على كوكب الارض هي أكبر مزرعة نخيل في العالم والتي يبلغ عدد النخيل فيها 200 ألف نخلة (مزرعة الراجحي بمنطقة القصيم).. هذي المزرعة كلها وقف لله تعالى يوزع إنتاجها على الجمعيات الخيرية وعلى الحرمين الشريفين للإفطار في شهر رمضان المبارك .

السبت، 6 أغسطس 2016

أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى

أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى
الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات، ومن أعظم الواجبات على الدعاة إلى الله - سبحانه وتعالى -، والصبر وإن كان واجباً بأنواعه على كل مسلم، فإنه على الدعاة إلى الله من باب أولى وأولى؛ ولهذا أمر الله به إمام الدعاة وقدوتهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (1)، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (2)، وقال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (3)، فهذا سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - قد أمره الله بالصبر، وأتباعه من باب أولى.
والله - عز وجل - قد أوضح للناس أنه لابد من الابتلاء، والاختبار، والامتحان لعباده، وخاصة الدعاة إلى الله تعالى؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والصابر من غيره، وهذه سنة الله في خلقه، قال سبحانه: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (4)، وقال - عز وجل -: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (1).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه ... )) (2).
وقد ذم الله - عز وجل - من لم يصبر على الأذى من أجل الدعوة إلى الله فقال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله} (3)؛ ولهذا قال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} (4)، وقال تعالى: {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (5).
وتبرز أهمية الصبر في الدعوة إلى الله - عز وجل - في عدة أمور، منها:

أولاً: إن الابتلاء للدعاة إلى الله لابد منه، فلو سلم أحد من الأذى لسلم رسل الله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام فقد أُوذوا فصبروا، وجاهدوا حتى نصرهم الله على أعداء الدعوة إلى الله تعالى، ولاشك أن كل داعية مخلص يصيبه الأذى، وإن سلم أحد فذلك من أندر النوادر.

ثانياً: الصبر يحتاجه الداعية في دعوته إلى الله في ثلاثة أحوال:
1 - قبل الدعوة بتصحيح النية والإخلاص، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على الوفاء بالواجب.
2 - أثناء الدعوة، فيلازم الصبر عن دواعي التقصير والتفريط، ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية، وعلى حضور القلب بين يدي الله تعالى، ولا ينساه في أمره.
3 - بعد الدعوة، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن يُصبِّر نفسه عن الإتيان بما يُبطل عمله، فليس الشأن الإتيان بالطاعة، وإنما الشأن في حفظها مما يبطلها.
الوجه الثاني: أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها، والتكبر، والتعظم بها.
الوجه الثالث: أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سرّاً بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر، فإن تحدث به نُقل إلى ديوان العلانية (1).
ثالثاً: الصبر في الدعوة إلى الله - عز وجل - بمثابة الرأس من الجسد، فلا دعوة لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له)) (1)، فإذا كان ذلك في الإيمان فالصبر في الدعوة إلى الله تعالى من باب أولى.
رابعاً: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أعظم أركان السعادة الأربعة قال - سبحانه وتعالى -: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (2)، كما قال ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.
خامساً: الصبر من أعظم أركان الخُلق الحسن الذي يحتاجه كل مسلم عامة وكل داعية إلى الله تعالى خاصة، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (3).
سادساً: الصبر في الدعوة إلى الله من أهم المهمات؛ ولهذا ذكره الله - عز وجل - في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعاً كما قال الإمام أحمد (4).
سابعاً: الصبر في الدعوة إلى الله - عز وجل - من أعظم القربات ومن أجل الهبات ولم أعلم -على قلة علمي - أن هناك شيئاً غير الصبر يُجازى ويثاب عليه العبد بغير حساب قال الله - عز وجل -: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (1)، اللهم إلا الصيام فإن الصيام من الصبر.
ثامناً: الدعوة إلى الله سبيلها طويل تحف به المتاعب والآلام؛ لأن الدعاة إلى الله يطلبون من الناس أن يتركوا أهواءهم وشهواتهم التي لا يرضاها الله - عز وجل -، وينقادوا لأوامر الله، ويقفوا عند حدوده، ويعملوا بشرائعه التي شرع، فيتخذ أعداء الدعوة من هذه الدعوة عدواً يحاربونه بكل سلاح، وأمام هذه القوة لا يجد الدعاة مفرّاً من الاعتصام باليقين والصبر؛ لأن الصبر سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، ونور لا يخبو.
تاسعاً: الصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى هو وصف الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعليه مدار نجاح دعوتهم إلى الله تعالى، ولاشك أن الداعية إذا فقد الصبر كان كمن يريد السفر في بحر لُجِّي بغير مركب {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} (2)؛ ولهذا أوصى به الحكماء من أتباع الأنبياء، فهذا لقمان الحكيم عندما أوصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرن ذلك بالصبر {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (3)، فهو عندما أمره بتكميل نفسه بطاعة الله أمره أن يكمّل غيره وأن يصبر على ما ينزل به من الشدائد والابتلاء.
عاشراً: الداعية إلى الله - عز وجل - لا يكون قدوة في الخير مطلقاً إلا بالصبر والثبات عليه، كما قال سبحانه في صفات عباد الرحمن: { ... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (1)، وهذه الإمامة في الدين لا تحصل قطعاً إلا بالصبر، فقد جعل الله الإمامة في الدين موروثة بالصبر واليقين {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (2)، فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، والعمل به لابد فيه من صبر، والداعية لابد له من أن يعلم الحق ويعمل به حتى يقوم بالدعوة، ولا يقوم بالدعوة إلا بالصبر على ما أصابه.
الحادي عشر: الصبر ينتصر به الداعية على عدوه - مع الأخذ بالأسباب - من الكفار والمنافقين، والمعاندين، وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة الحميدة، قال - عز وجل -: { ... وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (3)، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (4)، وحكى الله عن يوسف عليه الصلاة والسلام قوله وبأي شيء نال النصر والتمكين، فقال لإخوته حينما سألوه: {أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (1) , ولابد بعون الله وتوفيقه من النصر للداعية المتقي الصابر العامل بما أمره ربه، ومن ذلك الأخذ بجميع الأسباب المشروعة {وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (2).
الثاني عشر: الصبر من أهم المهمات للداعية؛ لأنه لا يكون داعية مُوَفَّقاً إلا إذا كان صابراً على دعوته وما يدعو إليه، صابراً على ما يعترض دعوته من معارضات، صابراً على ما يعترضه هو من أذى.
الثالث عشر: الصبر يشتمل على أكثر مكارم الأخلاق، فيدخل فيه الحلم؛ فإنه صبر عن دواعي الانتقام عند الغضب، والأناة: صبر عن إجابة دواعي العجلة، والعفو والصفح صبر عن إجابة دواعي الانتقام، والجود والكرم صبر عن إجابة دواعي الإمساك، والكيس: صبر عن إجابة دواعي الكسل والخمول، والعدل صبر إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين، وسعة الصدر صبر عن الضجر، والكتمان وحفظ السر صبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره، والشجاعة صبر عن إجابة دواعي الفرار، وهذا يدل على أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى، وأن الداعية لا يسعه أن يستغني عنه في جميع أحواله.


نقلته من برنامج الشاملة

الجمعة، 5 أغسطس 2016

للمسافرين

بسمِ اللهِ الرَّحمَٰنِ الرَّحِيم...
لِلْمُسَافِرِين...

• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ سَفَرًا، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَوْصِنِي!
قَالَ: ((أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ!
 وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ))!
فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((اللَّهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ))!
قالَ التّرمذيُّ رحمهُ اللهُ "حديث حسن"، وقال والدي رحمهُ اللهُ: "وهو كما قال". يُنظر "سلسلته الصّحيحة"، (1730)، و "الكلم الطّيب"، رقم (172)، ط2 (1422هـ‍)، مكتبة المعارف.
* (ازْوِ): اجْمَعْ وَاطْوِ. جاءَ في "مقاييس اللغة"، (3/ 34): "(زَوِيَ) الزَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى انْضِمَامٍ وَتَجَمُّعٍ. يُقَالُ: زَوَيْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ!" اهـ‍

• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ:
"وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
((أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ))!
صحَّحهُ والدي -رحمهُ اللهُ-. يُنظر:  "سلسلته الصّحيحة"، (16) و (2547).

• عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنْهُما، قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَيَقُولُ:
((أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَآخِرَ عَمَلِكَ))!
وَفِي رِوَايَة: ((خَوَاتِيمَ عَمَلِكَ))!.
صحَّحهُ والدي -رحمهُ اللهُ-. يُنظر:  "مشكاة المصابيح"، (2/ 753).
- - -
الجمعة 2 ذو القعدة 1437هـ‍
 

الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

رسالة إلى كل من حفظ النصوص وضيع الفصوص

وهي رسالة إلى كل من أجاد النقول وترك العمل المفضول .

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاَه .
أما بعد :

فما أكثر النصوص الدّالة على التعاون بين الإخوة المسلمين من قضاء الحوائج ، وتنفيس الكُرُبات ، والتيسير على المعسر ، وإكساء العاري ، وإشباع الجائع ..الخ .
وما أقل العاملين من المسلمين بذلك ، فالآذن صمّاء والأعين عمياء ، والقلوب مُغْلقة أو مُغَلَّفة ؛ إلا مَن رحم ربك .
فأقول من باب التذكير بقَوْلِه اللهُ تَعَالَى : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] :
قَالَ تَعَالَى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
فهذه هي القاعدة التي ينطلق منها كل مسلم ؛ ألاَ وهي : التعاون فيما بينهم على أمور الخير ، أُخذت من المصدر الأول للتشريع الإسلامي .

أما المصدر الثاني : وهو السُّنة النبوية .
[1] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(1- مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
2- وَمِنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
3- وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً ؛ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
4- وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ..) .
أخرجه أحمد (2 / 252، 274، 296، 500، 514) ، ومسلم (2699) ، وأبو داود (4946) وغيرهم . وهو حديث صحيح .

قال الألباني : "( نَفَّسَ) بتشديد الفاء ؛ أي : فرج ، وأزال بماله ، أو بجاهه ، أو إشارته ، أو إعانته ، أو وساطته ، أو دعائه وشفاعته .
(كُرْبَةً) ، وهي في أصل اللغة : ما يأخذ النفس من الغم .
والمعنى : فرج وأزال هماً واحداً من هموم الدنيا ؛ أي هم كانَ ، صغيراً أو كبيراً ؛ من عِرضه وغرضه، وعَده وعُدده، وهذا فيما يجوز شرعاً، وأما ما كان محَرماً أو مكروها، فلا يجوز تفريجه، ولا تنفيسه.
(مُعْسِرٍ) : هو من ركبه الدَّين ، وتعسر عليه قضاؤه بالإنظار أو بالإبراء ، أو يُراد بالعسر ؛ مطلق الفقر ، فيُسَهل عليه أمره ، بالهبة أو الصدقة أو القرض .

و(فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) ؛ أي : إعانته ، (مَا كَانَ الْعَبْدُ) ؛ أي : مدة دوام كونه (فِي عَوْنِ أَخِيهِ) ؛ أي : إعانته بماله ، أو جاهه ، أو قلبه ، أو بدنه" .
"صحيح الترغيب" (1 / 137) .

قال القاري : "(عَنْ مُؤْمِنٍ) : أَيَّ مُؤْمِنٍ ؛ وَلَوْ كَانَ فَاسِقاً ؛ مُرَاعَاةً لِإِيمَانِهِ .

(وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) ؛ أَيْ : سَهَّلَ عَلَى فَقِيرٍ ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ ؛ أَيْ : مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَسَهَّلَ عَلَيْهِ بِإِمْهَالٍ أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ .
ولاَ يَخْفَى أَنَّ الْمُعْسِرَ ، وَصَاحِبَ الْكُرْبَةِ ؛ هُوَ الْمُرِيدُ فِي وَادِي الْغُرْبَةِ ، الْمُحْتَاجُ إِلَى قَطْعِ الْعَقَبَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ ، وَالْمُنَازِلِ الظُّلُمَانِيَّةِ" .
"مرقاة المفاتيح" (1 / 454-455 / حديث 204) .


قلتُ : وهذه دعوة للمسلمين في المشارق والمغارب مِن خلال كلمات هذا الحديث الشريف !

قال النووي :
"وَمَعْنَى نَفَّسَ الْكُرْبَةَ : أَزَالَهَا .وَفِيهِ – أي : الحديث- : فَضْلُ قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ وَنَفْعِهِمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مُعَاوَنَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ بِمَصْلَحَةٍ أَوْ نَصِيحَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَفَضْلُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ " . "شرح مسلم" (17 / 21) .
مَن أراد أن يُفَرِّج اللهُ همّه ويُنفِّس كربه ويزيل غمّه ويُيسِّر عسيره وأمره ، وفوق هذا كله ؛ مَن أراد اللهَ أن يكون معه ومعينه ؛ فلا يبخل على أخيه المسلم وخاصة بالمال ؛ فإنه عصب الحياة اليوم – كما يقال- .


[2] قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى : أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى :
1) سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ .
2) أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً .
3) أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً .
4) أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعاً .
وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ ؛
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ – شَهْراً ،
وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ ؛ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ) .

أخرجه الطبراني في "الكبير" (12 / 453 / 13468) وغيره . وصححه الألباني في "الصحيحة" (906) ، و"صحيح الجامع" (176) ، و"صحيح الترغيب" (2623) .

تأملوا حين تقرؤوا ؛ ما يحبه الله من أعمالك يا عبد الله ، وتأملوا عِظم ثواب قضاء حاجة مسلمٍ عن الاعتكاف في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ الذي الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام !

وتنبهوا لكلمة (حَاجَةٍ) في الحديث ؛ جاءت نكرة ، وهي تفيد العموم ؛ أيّ حاجة كانت ، صغيرة أو كبيرة .

فهنيئاً لمن كسب الثواب الذي في هذه الأحاديث النبوية الشريفة . ونغبطه على ذلك .


نماذج لمِنْ عَلِمَ وحَفِظَ النصوص ؛ فعمل بها ولم يستهن بالفصوص .

وأُقدِّم قُدوتُنا وأُسوتنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على كُلِّ أحد .

فَعَنْ بِنْتٍ لِخَبَّابٍ قَالَتْ : "خَرَجَ خَبَّابٌ فِي سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَاهَدُنَا حَتَّى (كَانَ يَحْلُبُ عَنْزاً لَنَا ، فَكَانَ يَحْلُبُهَا فِي جَفْنَةٍ لَنَا فَكَانَتْ تَمْتَلِئُ حَتَّى تَطْفَحَ أَوْ يَفِيضَ) . قَالَتْ : فَلَمَّا قَدِمَ خَبَّابٌ ؛ حَلَبَهَا فَعَادَ [فَرَجَعَ] حِلَابُهَا إِلَى مَا كَانَ . قَالَ : فَقُلْنَا لِخَبَّابٍ : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلُبُهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ جَفْنَتُنَا) ؛ فَلَمَّا حَلَبْتَهَا ؛ نَقَصَ [رَجَعَ] حِلَابُهَا" . 

 أخرجه أحمد (5 / 111 و 6 / 372) ، قال الهيثمي في "مجمع الزائد" (8 / 312) : "رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ الْقَائِشِ وَهُوَ ثِقَةٌ" .
وانظر "إتحاف المهرة" (18 / 358 / 23716) ، و "أطراف المسند" (9 / 482 / 12756) كلاهما لابن حجر .

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : "أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ! إِنِّي لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً ، فَقَالَ :
(يَا أُمَّ فُلَانٍ ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ ؛ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ) ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ ؛ حَتَّى فرغت من حَاجَتهَا". رَوَاهُ أحمد (3 / 285) ، مُسلم (2326) – واللفظ له - ، أبو داود (4818، 4819) .

والمعنى : تنحى بها جانبا ، ووقف معها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق مسلوك ؛ ليقضي حاجتها ؛ بحيث لا يسمع الناسُ كلامهما ولكنهم يرونهما وقد يسمعوا بعضه .
"وَفِي الحَدِيثِ : سَعَةُ حِلْمِهِ ، وَتَوَاضُعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَبْرِهِ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ" . "الفتح" (9 / 333) .


قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ :
"خَرَجَ عُمَرُ لَيْلَةً فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ، فَدَخَلَ بَيْتاً ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ؛ ذَهَبْتُ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ ، فَإِذَا عَجُوزٌ عَمْيَاءُ مُقْعَدَةٌ ، فَقُلْتُ لَهَا : مَا بَالُ هَذَا الرَّجُلِ يَأْتِيكِ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّهُ يَتَعَاهَدُنِي مُدَّةَ كَذَا وَكَذَا ؛ يَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي ، وَيُخْرِجُ عَنِّي الْأَذَى" .
"حلية الأولياء" (5 / 48) ، و"التبصرة" (1 / 427) لابن الجوزي ، و "البداية والنهاية" لابن كثير (7 / 135) ط. المعارف - بيروت و(10 / 185) . ط. هجر .


"بَعَثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ لِرَجُلٍ ، وَقَالَ لَهُمْ : "مُرُّوا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، فَخُذُوهُ مَعَكُمْ ، فَأَتَوْا ثَابِتاً ، فَقَالَ : أَنَا مُعْتَكِفٌ ، فَرَجَعُوا إِلَى الْحَسَنِ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : قُولُوا لَهُ :
يَا أَعْمَشُ ! أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَشْيَكَ فِي حَاجَةِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ ؛ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ ؟ فَرَجَعُوا إِلَى ثَابِتٍ ، فَتَرَكَ اعْتِكَافَهُ ، وَذَهَبَ مَعَهُمْ" .


"كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ ، قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ : الْآنَ لَا يَحْلِبُهَا .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ شَيْءٍ كُنْتُ أَفْعَلُهُ" ، أَوْ كَمَا قَالَ .
وَإِنَّمَا كَانُوا يَقُومُونَ بِالْحِلَابِ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَحْلِبُ النِّسَاءُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَسْتَقْبِحُونَ ذَلِكَ، فَكَانَ الرِّجَالُ إِذَا غَابُوا، احْتَاجَ النِّسَاءُ إِلَى مَنْ يَحْلِبُ لَهُنَّ .
"كَانَ أَبُو وَائِلٍ ؛ يَطُوفُ عَلَى نِسَاءِ الْحَيِّ وَعَجَائِزِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ ، فَيَشْتَرِي لَهُنَّ حَوَائِجَهُنَّ وَمَا يُصْلِحُهُنَّ" .


"صَحِبَ رَجُلٌ قَوْماً فِي الْجِهَادِ ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمَهُمْ ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ أَوْ ثَوْبَهُ ، قَالَ : هَذَا مِنْ شَرْطِي ، فَيَفْعَلُهُ ، فَمَاتَ فَجَرَّدُوهُ لِلْغُسْلِ ، فَرَأَوْا عَلَى يَدِهِ مَكْتُوباً : مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَنَظَرُوا ، فَإِذَا هِيَ كِتَابَةٌ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ" .
نقل هذه الآثار ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص 298-299) . والله أعلم بحالها .


"كَانَ زُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَيَامِيُّ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ مَطِيرَةٌ ؛ أَضَاءَ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ ، فَطَافَ عَلَى عَجَائِزِ الْحَيِّ ، فَقَالَ :
أُوكِفُ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ ، أَتُرِيدُونَ نَاراً ؟
فَإِذَا أَصْبَحَ ؛ طَافَ عَلَى عَجَائِزِ الْحَيِّ ، وَيَقُولُ : أَلَكُمْ فِي السُّوقِ حَاجَةٌ ، أَتُرِيدُونَ شَيْئاً ؟" . "حلية الأولياء" (5 / 31) .


وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ :
"لَأَنْ أَعُولَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَهْراً أَوْ جُمُعَةً ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ – يعني : بَعْدَ حَجَّةِ الإسلام - ، وَلَطَبَقٌ بِدَانقٍ أُهْدِيهِ إِلَى أَخٍ لِي فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دِينَارٍ أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" . "الحلية" (1 / 328) ، و "صفة الصفوة" (1 / 373 / 119) .


وَعَنْ جَابِرِ بْن زَيْدٍ قَالَ :
"لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ عَلَى يَتِيمٍ أَوْ مِسْكِينٍ ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ" . "الحلية" (3 / 89) ، و "صفة الصفوة" (3 / 237 / 501) .


وَقَالَ سَعِيد بْن المسيب : " لَأَنْ أُشْبِعَ كَبِداً جائعةً ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ" . "روضة العقلاء" لابن الجوزي (1 / 262) .


وَعَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، ثنا مَعْمَرٌ : "أَنَّ طَاوُساً ؛ أَقَامَ عَلَى رَفِيقٍ لَهُ مَرِيضٍ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ" . "الحلية" (4 / 10) .

تأملوا يا عباد الله هذا الفقه !
كيف قدّموا إطعام المحتاج وخدمة الضعيف على الحجة – النافلة – التي يرجع بعدها المسلم من ذنوبه كيوم ولدته أمه !

احذروا المجاهرة بإطعام الجائع وسدِّ حاجة المحتاج !

عن شيبة بن نعامة قال : "كان علي بن الحسين يُبَخَّل ، فلما مات ؛ وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة" .
"يُبَخَّل" ؛ أيْ : كان يُرمى ويُتهم بالبخل ، وكأن ذلك تظاهراً منه بالبخل بُعْداً عن الرياء والسَّمعة .

وعن محمد بن إسحاق قال : "كان ناس من أهل المدينة ؛ يعيشون ، لا يدرون من أين كان معاشهم ، فلما مات علي بن الحسين ؛ فقدوا ما كانوا يُؤتَوْن به بالليل" . "صفة الصفوة" (1 / 96 / 165) .

استشعر رحمه الله تعالى قَوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) .
رواه الطبراني في "الأوسط" (1 / 289 / 943 و 3 / 378 / 3450) .

وَقَوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) . أخرجه البخاري (1357، 6421) ، ومسلم (1031) .

قَالَ الترمذي في "جامعه" :
"صَدَقَةَ السِّرِّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ لِكَيْ يَأْمَنَ الرَّجُلُ مِنَ العُجْبِ، لِأَنَّ الَّذِي يُسِرُّ العَمَلَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ العُجْبُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ عَلَانِيَتِهِ" . (5 / 181) .


يا عبدَ الله ! لا تنتظر المكافأة على ما تُعْطِي وتُنفق وتُطعم المحتاجين أو تقوم على قضاء حاجة مسلم .

قضى ابن أبي شبرمة لبعض إخوانه حاجة كبيرة ، فجاءه الرجل بهدية جليلة ، فقال : ما هذا فقال : ما أسديتَ إليَّ ، فقال : خذ مالك ، عافاك الله .
إذا سألتَ أخاك حاجة ؛ فلم يَجْهَد نفسه في قضائها ؛ فتوضأ للصلاة ، وكبّر عليه أربع تكبيرات ، وعُدّه في الموتى" .
وعلى ذلك قال بعضهم : إذا اسْتَقْضَيْتَ أَخَاكَ حَاجَةً فَلَمْ يَقْضِهَا فَذَكِّرْهُ ثَانِيَةً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيَ ، فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد يكون شغل عنها بعذر، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا فَكَبِّرْ عَلَيْهِ وَاقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ : {والموتْىَ يَبْعَثُهُمْ اللهُ} [الأنعام : 36] .
"قوت القلوب في معاملة المحبوب" (2 / 374) لأبي طالب المكي محمد بن علي الحارثي (ت 386هـ) .

يُنفقون ويعملون الخير يبتغون بذلك وجه الله تعالى.
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما :
"يَا بُنَيَّ ، إِنِّي أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَاباً ضِعَافاً ، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ ؛ أَعْتَقْتَ رِجَالاً جُلْداً ؛ يَمْنَعُونَكَ ، وَيَقُومُونَ دُونَكَ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا أَبَتِ ! إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ – يعني: وَجه الله -، قَالَ : فَيُتَحَدَّثُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إِلَّا فِيهِ ، وَفِيمَا قَالَ أَبُوهُ : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} إِلَى قَوْله : {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل : 6] .
أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (1 / 95 / 66 و 237 / 291) ، والحاكم (2/ 525) وقال : "حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" .


عنْ سَلَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ دِينًا عَلَيْهِ ، فَكَتَبَ لَهُ إِلَى وَكِيلٍ لَهُ ، فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ قَالَ لَهُ الْوَكِيلُ : كَمِ الدَّيْنُ الَّذِي سَأَلْتَ فِيهِ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْكَ ؟ قَالَ : سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ .
فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللهِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَأَلَكَ أَنْ تَقْضِيَ عَنْهُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَكَتَبْتَ إِلَيْهِ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ؛ قَدْ فَنِيَتِ الْغَلَّاتِ .
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ : إِنْ كَانَتِ الْغَلَّاتُ قَدْ فَنِيَتْ ، فَإِنَّ الْعُمُرَ أَيْضًا قَدْ فَنِيَ فَأَجْرِ لَهُ مَا سَبَقَ بِهِ قَلَمِي لَهُ" .
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (7 / 447 / 10945) ، ونقله ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (4 / 142) .


قَالَ حَكِيْمُ بنُ حِزَامٍ : مَا أَصْبَحْتُ وَلَيْسَ بِبَابِي صَاحِبُ حَاجَةٍ ، إِلاَّ عَلِمْتُ أَنَّهَا مِنَ المَصَائِبِ الَّتِي أَسْأَلُ اللهَ الأَجْرَ عَلَيْهَا" . "سير أعلام البنلاء" (3 / 51) .


وعَنْ سَلَّام بْنِ أَبِي مُطِيعٍ : قَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ : "لَوْلَا الْمَسَاكِينُ مَا اتَّجَرْتُ" . "الحلية" (3 / 116) ، و "صفة الصفوة" (3 / 340 / 543) ، و "تهذيب الكمال" (6 / 28 / 1190) ، و "تاريخ الإسلام" (8 / 74) تدمري .


عنْ عبَّاسِ بنِ عُمَرَ الكلوذاني قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّد بْن عَبْد الوَاحِد الزَّاهِد الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب ، يَقُوْلُ :
"تَرْكُ قَضَاء حُقُوق الإِخْوَانِ ؛ مَذَلّة ، وَفِي قَضَاء حُقُوقهُم ؛ رِفْعَة ، فاحمدوا الله على ذلك ، وسارعوا في قضاء حوائجهم ومسَارِّهم ، تَكَافَؤا عليه" .
"تاريخ بغداد" (2 / 356 / 865) ، و "طبقات الحنابلة" (2 / 68) ، و "نزهة الألباب" (ص 210) لأبي البركات الأنباري ، "معجم الأدباء" (6 / 2559) لياقوت الحموي ، و "السير" (15 / 510) .


وقضاء الحوائج لا يقتصر على النفع بالمال ، ولكن قضاء الحوائج نفعٌ متعدي : بالجاه ، والسلطان والعلم ، بالنصيحة ، حمل المتاع ، والمشورة ، وإعطاء العارية ...

واحذروا يا أصحاب النِّعم أن تمنعوها المحتاج ؛ فيُفقدكُمُوها الوهاب .

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى قَوْماً ؛ يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ، فَإِذَا مَنَعُوهَا ؛ نَزَعَهَا مِنْهُمْ ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ) .
"الصحيحة" (1692) ، و "صحيح الجامع" (2164) .

والمعنى : أنّ النِّعم تبقى وتستمر في أيدي أهلها ؛ شريطة أنْ يُعطوا منها المسكين ، والفقير ، وذي الحاجة ..، فإذا حبسوها وبخلوا بها ؛ عاقبهم الباري بنزعها من بين أيدهم ؛ ووضعها بأيدي غيرهم ليقوموا بحقها في المسلمين .

فسبحان ربي ! كم رأينا في هذه الحياة مَن كان ذا نعمة وفي رغد من العيش ؛ فانقلب في زمنٍ وجيز إلى مُتَكَفِّف !
{ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [آل عمران : 140] .


قلتُ في الختام :
عَجبتُ لأقوامٍ مقتدرين أغنياء ؛ يشكون الأمراض ويبحثون العلاج ؛ والدواء بين أيديهم وتيسر ، وأسهل ما عليهم يكون .
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ) .
قال الألباني : " حسنٌ لغيره . رواه أبو داود في "المراسيل" - قلتُ : هو برقم (105) - ، ورواه الطبرانى – قلتُ : في "الأوسط" (2 / 274 / 1963) و "الكبير" (10 / 158 / 10196)- ، والبيهقي – قلتُ : في "الكبرى" (3 / 382)- ، وغيرهما عن جماعة من الصحابة مرفوعاً متصلاً ، والمرسل أشبه .
لأنه مع إرساله حسن الإسناد ، وما أشارَ إليه من الروايات عن الجماعة لا تخلو من ضعف بعضه شديد ، وقد خرجت طائفة منها في "الضعيفة" (575 و3492 و6162) ، وهي على اختلاف ألفاظها ، قد اتّفقت على جملة المداواة هذه ، ولذلك حسَّنتُها . والله أعلم . وانظر إن شئت "المقاصد" للحافظ السخاوي (190 - 191) .
انتهى من "صحيح الرغيب" (1 / 458/ رقم الحديث 744) .


فلو أنّهم فعلوا ما يُعضون به ؛ لجمعوا حسناتٍ عدَّة : أجر الصدقة ، وتنفيس كربة مسلمٍ بالتصدّق عليه ، وإزالة همٍّ عن مسلم بسداد دينه ، وإدخال الفرح والسرور إلى أسرة وأيتام ، و..، و..، وأخيراً وليس بالأخير ؛ يجعل اللهُ في بدنه الصّحة والعافية والبركة في ماله وولده ؛ كل هذا بسبب هذه الصدقة .
فيا ليت قومي يسمعون أو يعقلون !

وأعجبني هنا أبيات في هذا المقام ونسبها بعضهم إلى الشافعي والله أعلم :
النَّاس بِالنَّاسِ مَا دَامَ الْحَيَاةُ بِهِمْ ........ وَالسَّعْدُ لا شَكَّ تَارَاتٌ وَتَارَاتُ
وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الْوَرَى رَجُلٌ ..... تُقْضَى على يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتُ
لا تَمْنَعَنَّ يَدَ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَحَدٍ ....... مَا دُمْتَ مُقْتَدِراً فَالسَّعْدُ تَارَاتُ
وَاشْكُرْ فَضَائِلَ صُنْعِ اللهِ إِذْ جُعِلَتْ ...إِلَيْكَ لا لَكَ عِنْدَ النَّاسِ حَاجَاتُ
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ ... وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ
تنبيه :
كلمة "الفُصُوص" التي جاءت في العنوان ؛ جمع "فِصّ" : وهو ما يُرَكَّبُ في الخاتم من الأحجار الكريمة وغيرها وهي ثمينة جداً ، فعبرتُ بذلك كنايةً عن ثمرةِ العِلْم وحفظ النصوص ؛ غالياً وثميناً ، أَلاَ وهو العمل والتطبيق لما عَلِمتَ وحفظتَ يا مسلم يا عبد الله !
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

كتبه /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

الاثنين، 1 أغسطس 2016

من آداب زيارة المريض مواساته وبثّ روح الطمأنينة في نفسه ؛ لا إهداؤه كفن الموت !


قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (عُودُوا الْمَرِيض) . رَوَاهُ البُخَارِيّ - وغيره - (2881) في مواضع عدة في "صحيحه" .
من آداب ومقاصد الشريعة في زيارة المريض :
مُواساةٍ ومؤازرة لذلك المريض ، وبثِّ روح الطّمْأنة في نفسه ، وتَطْيِّيب نفس المريض فيهدأُ قلبُه معها ، وتَشُدّ مِن أزْره ، وتسليته بكلام طيب جميل تطيب به نفسه كما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ، ويقول إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ :
( لاَ بَأْس َ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) .
رواه البخاري (3420) .
ومن مقاصد زيارة المريض والدعاء له بالشفاء :
أنها تَبعث في المريض روح الأمل في الشفاء بإذن الله تعالى إذا ارتبطت الزيارة بالدعاء له بالشفاء ، لأن الدعاء بالشفاء للمريض يعني أن يصح ويكون عضواً فعالاً في المجتمع ، ينفع نفسه بالأعمال الصالحة كلما طال عُمره ، فيمشي إلى صلاة ويُغَبِّر رجليه في الجهاد في سبيل الله ، ويصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله ، ويغيض عدواً ؛ وهلمجر .. من الأعمال الصالحة ، ومصداق ذلك في الحديث :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضاً ، قَالَ : "اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ ، يَنْكَأُ لَكَ عَدُوّاً ، وَيَمْشِي لَكَ إِلَى الصَّلَاةِ [جَنَازَةٍ]") .
رَوَاهُ أَحمد (2 / 172) ، وأبو داود (3107) ، وابن حبان (2974) ، والحاكم (1 / 344، 549) . وهو صحيح .

وليس من مقاصد زيارة المريض ؛ أن تدُّب في نفسه اليأس والقنوط وتزيد من همومه وآلامه بتذكيره الموت ؛ بإحضار الكفن له عند زيارتك له .
بل وليس ذلك من الحكمة ولا من أفعال العقلاء – ناهيك أن يكون ذلك سبباً لاتهام الشريعة ، واستهجان دُعاتها مِن قِبل العامة - ، لأن النفس البشرية مجبولة على حب الحياة والبقاء وطول الأمل ، كما في الحديث :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الشَّيْخُ يَكْبَرُ وَيَضْعُفُ جِسْمُهُ ، وَقَلْبُهُ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ : حُبُّ [طُولِ] الْحَيَاةِ [الْعُمُرِ] [الْعَيْشِ]، وَحُبِّ الْمَالِ) .
رَوَاهُ أَحمد (2 / 317، 501) ، ومسلم (1046) ، والترمذي (2338) ، وابن ماجه (4233) ، وابن حبان (3230) ، والحاكم (4 / 328) . وهو صحيح .
وَأَمَّا حدِيثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ : الْمَوْتِ ) .
رَوَاهُ أحمد (2 / 292) ، وَالتِّرْمِذِيُّ (2307) ، وَالنَّسَائِيّ (1824) ، وَابْن مَاجَه (4258) . وهو صحيح .
فليس معناه ؛ أن نذكر الموت عند المريض ؛ فنزيده هماً وغماً ومرضاً على مرض ويأساً من الحياة ؛ لأن ذلك ليس من مقاصد الزيارة للمريض كما سبق بيانه ، بل هذا الحديث : لزجر المسلم وردعه عن المعاصي والذنوب لئلا يستمر فيها ولا يستمر على الكون إلى الدنيا والانشغال بها عن الآخرة في حال صحته وعافيته ، وتحفيزاً للمسلم على فعل الصالحات والتوبة قبل أن يباغته الموت .
قال الصنعاني :
"وَالْحَدِيثُ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ أَعْظَمِ الْمَوَاعِظِ وَهُوَ الْمَوْتُ ، وَعَنْ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا : (أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَمْحَقُ الذُّنُوبَ وَيُزْهِدُ فِي الدُّنْيَا فَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْغِنَى هَدَمَهُ ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْفَقْرِ أَرْضَاكُمْ بِعَيْشِكُمْ)" .

"سبل السلام" (2 / 184) عطا . و (2 / 533) الخولي .

كتبه /
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي .

الثلاثاء، 19 يوليو 2016

أقربُ بابٍ دخلَ منه (العبدُ) على (اللهِ تعالى).. للإمامِ ابنِ القيّم

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمامُ ابنُ القيّم -رحمهُ اللهُ- في "الوابل الصيِّب من الكَلِم الطَّيّب":
"وأقربُ بابٍ دخلَ منه (العبدُ) على (اللهِ تعالى) هو: (الإفلاسُ)!
فلا يرى لنفسِه حالاً، ولا مقامًا، ولا سببًا يتعلَّقُ بهِ، ولا وسيلةً منه يمنُّ بها
بل يدخلُ على (اللهِ تعالى) من بابِ: 
- (الافتِقارِ الصَّرف)!
- و(الإفلاسِ المحض)!
دخولَ من كسَرَ الفقْرُ والمسكنةُ قلبَهُ!
حتى وصلتْ تلكَ (الكسرةُ) إلى (سويدائِهِ)؛ فانصدَعَ!
وشملتْه (الكسرةُ) من كلِّ جهاتِهِ!
وشهدَ ضرورتَهُ إلى (ربِّهِ عزَّ وجلَّ)!
وكمالَ فاقتِهِ وفقرِهِ إليه
وأنَّ في كلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاتِهِ الظَّاهرةِ والباطنةِ (فاقةً تامةً)!
و(ضرورةً كاملةً) إلى (ربِّه تباركَ وتعالى)!
وأنَّهُ إن تخلَّى عنهُ طرفَةَ عينٍ؛ هلكَ وخسرَ خسارةً لا تُجبرُ؛ إلَّا أن يعودَ (اللهُ تعالى) عليهِ، ويتداركُهُ برحمتِه!" اهـ‍
(ص: 7-8)، ط3،  دار الحديث، القاهرة.
،،،
الإثنين 6 شوّال 1437 هـ‍

الصَّدَقَةِ

في "أدب الدنيا والدين"، (1/ 150):
"وعُوتِبَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ فِي (كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ)؛ فَقَالَ:
لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ؛ أَكَانَ يُبْقِي فِي الأُولَى شَيْئًا؟!" اهـ‍

رُبَّ موتٍ يكون غنًى!


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
(ترغيبُ مَن نَزَلتْ به فاقةٌ أو حاجةٌ أن يُنزلَها باللهِ تعالى)
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ؛ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ.
وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ؛ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ، أَوْ آجِلٍ».
رواه أبو داود والترمذي وقال: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، والحاكم وقال:
"صحيح الإسناد"، إلا أنه قال فيه:
«أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى؛ إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى آجِلٍ».
(يوشك) أي: يسرع، وزنًا ومعنًى.
"صحيح الترغيب والترهيب" (8-  كتاب الصدقات/ 9- ترغيب مَن نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى / 1/ 507/ ح 838 (صحيح)).


فائدة (1)
حقق أبي -رَحِمَهُ اللهُ- هذا الحديثَ في "الصحيحة" (2787)، وقال:
"هذا وثمة اختلافٌ آخر بين الرواة يدور حول قوله في آخر الحديث:
«إما بموت عاجل، أو غنى عاجل». 
وذلك على وجوه:
الأول: ما في حديث الترجمة: 
«موت عاجل»، و هو رواية الحاكم ومن بعده، وكذا أبي داود، وأحمد في رواية.
الثاني: بلفظ: 
«موت آجل»، و هو لأحمد في رواية أخرى.
الثالث: بلفظ: 
«أجل آجل»، و هو للطبراني و أبي نعيم.
الرابع: بلفظ: 
«برزق عاجل أو آجل» و هو للترمذي.
وهذا اللفظ الأخير مع تفرُّد الترمذي به، فهو مخالف لما قبله من الألفاظ، مع احتمال أن يكون حرف (أو) فيه شكًّا من الراوي، فلا يحتج به للشك أو المخالفة.
وأما اللفظ الثاني والثالث فهما وإن كانا في المعنى واحدًا، إلا أنّ النفس لم تطمئن لهما لمخالفتهما اللفظ الأول؛ لأنه هو المحفوظ في رواية الأكثرين من الرواة و المخرجين، فهو الراجح إن شاء الله تعالى، و به التوفيق.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فما معنى قوله: 
«إما بموت عاجل، أو غنى عاجل»؟
فأقول : لم أقف على كلامٍ شافٍ في ذلك لأحد من العلماء، وأجمع ما قيل فيه ما ذكره الشيخ محمود السبكي في " المنهل العذب " ( 9/ 283 ) قال:
"إما بموتِ قريبٍ له غنيٍّ، فيرثه.
أو بموت الشخصِ نفسِه، فيَستغني عن المال.
أو بغنًى ويَسارٍ يَسوقه اللهُ إليه مِن أيِّ باب شاء، فهو أعمُّ مما قبله، ومصداقُه قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق من 2 و3]"". اﻫ من "الصحيحة" (6/ ق1/ 680و681).


فائدة (2)
أورد الحافظ ابن كثير -رَحِمَهُ اللهُ- حديثَ ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هذا في تفسيره لآيتين من سورتين في كتاب الله تعالى:
الأولى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)﴾ [الإسراء].
الثانية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق من الآية 3].
وكذلك قال العلامة الطيبي في شرح الحديث:
"وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ وبلوغُ أمره إمّا بموتٍ عاجل، أو غنًى عاجل" اﻫ مِن "شرح الطيبي على المشكاة" (5/ 1519 ، ط 1، 1417ﻫ، مكتبة نزار مصطفى الباز).


وأخيرًا!
رُبَّ موتٍ يكون غنًى!
فالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
«اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ»[1].
وأخبرنا أنه سيأتي زمان يكون الموتُ نعمةً يُغبَط عليها صاحبُها! «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَني مَكانَهُ»[2]!
وللموت عند الصادقين شأنٌ رفيع، إنه أمرٌ يُنتظَر! ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)﴾ [الأحزاب].
ومن عجائب الموت أنه هو نفسه عزاءُ كلِّ فَقْدٍ ولو كان فَقْدَ حبيبٍ بالموتٍ! ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ [البقرة].
ليس في هذا دعوةٌ لِتمني الموت بإطلاقٍ -فهو جائز فرارًا من الفتن-!
بل دعوة لِاعتباره راحةً بعد العناء! ولكنْ للصالحين، وفرجًا بعد الأسر! ولكنْ للموقنين.
ففي الدعاء المأثور: «وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ»[3].
وفي الخبر الصادق: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ»[4].
ليست دعوة لتمني الموت، بل دعوة للثباتِ عند حلوله على النفس وعلى الأحباب، وتلقِّيه على أنه علاوة على أنه أمر لابد منه فإن فيه (غنًى) و(خيرًا) و(راحةً)!
قال الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ:
"الْمَرْتَبَةُ التَّاسِعَةُ مِنْ مَرَاتِبِ الْحَيَاةِ: حَيَاةُ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْأَبْدَانَ، وَخَلَاصِهَا مِنْ هَذَا السِّجْنِ وَضِيقِهِ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ فَضَاءً وَرَوْحًا وَرَيْحَانًا وَرَاحَةً، نِسْبَةُ هَذِهِ الدَّارِ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ بَطْنِ الْأُمِّ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ!
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لِتَكُنْ مُبَادَرَتُكَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا كَمُبَادَرَتِكَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ الضَّيِّقِ إِلَى أَحِبَّتِكَ، وَالِاجْتِمَاعِ بِهِمْ فِي الْبَسَاتِينِ الْمُونِقَةِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)﴾ [الواقعة].
وَيَكْفِي فِي طِيبِ هَذِهِ الْحَيَاةِ: مُرَافَقَةُ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَمُفَارَقَةُ الرَّفِيقِ الْمُؤْذِي الْمُنَكِّدِ، الَّذِي تُنَغِّصُ رُؤْيَتُهُ وَمُشَاهَدَتُهُ الْحَيَاةَ، فَضْلًا عَنْ مُخَالَطَتِهِ وَعِشْرَتِهِ، إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)﴾ [النساء]، فِي جِوَارِ الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَدْ قُلْتُ إِذْ مَدَحُوا الْحَيَاةَ فَأَسْرَفُوا * فِي الْمَوْتِ أَلْفُ فَضِيلَةٍ   لَا تُعْرَفُ
مِنْهَا   أَمَــــــــــانُ      لِقَــــــــــــــــــــــــــائِهِ        بِلِقَائِهِ * وَفِرَاقُ   كُلِّ مُعَاشِـــــــــــــــــرٍ لَا يُنْصِفُ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْتِ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَنَّهُ بَابُ الدُّخُولِ إِلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَجِسْرٌ يُعْبَرُ مِنْهُ إِلَيْهَا؛ لَكَفَى بِهِ تُحْفَةً لِلْمُؤْمِنِ.
جَزَى  اللهُ   عَنَّا  الْمَوْتَ   خَيْرًا   فَإِنَّهُ * أَبَرُّ   بِنَا  مِنْ   كُلِّ   بِرٍّ   وَأَلْطَفُ
يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الْأَذَى * وَيُدْنِي إِلَى الدَّارِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ
فَالِاجْتِهَادُ فِي هَذَا الْعُمْرِ الْقَصِيرِ وَالْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَالسَّعْيُ وَالْكَدْحُ، وَتَحَمُّلُ الْأَثْقَالِ، وَالتَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ- إِنَّمَا هُوَ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ.
وَالْعُلُومُ وَالْأَعْمَالُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا.
وَهِيَ يَقَظَةٌ، وَمَا قَبْلَهَا مِنَ الْحَيَاةِ نَوْمٌ.
وَهِيَ عَيْنٌ، وَمَا قَبْلَهَا أَثَرٌ.
وَهِيَ حَيَاةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ فَقْدِ الْمَكْرُوهِ، وَحُصُولِ الْمَحْبُوبِ، فِي مَقَامِ الْأُنْسِ، وَحَضْرَةِ الْقُدْسِ، حَيْثُ لَا يَتَعَذَّرُ مَطْلُوبٌ، وَلَا يُفْقَدُ مَحْبُوبٌ، حَيْثُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالرَّاحَةُ، وَالْبَهْجَةُ وَالسُّرُورُ، حَيْثُ لَا عِبَارَةَ لِلْعَبْدِ عَنْ حَقِيقَةِ كُنْهِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي بَلَدٍ لَا عَهْدَ لَنَا بِهِ، وَلَا إِلْفَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَاكِنِهِ، فَالنَّفْسُ لِإِلْفِهَا لِهَذَا السِّجْنِ الضَّيِّقِ النَّكِدِ زَمَانًا طَوِيلًا تَكْرَهُ الِانْتِقَالَ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَتَسْتَوْحِشُ إِذَا اسْتَشْعَرَتْ مُفَارَقَتَهُ.
وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ إِنَّمَا وَصَلَ إِلَيْنَا بِخَبَرٍ إِلَهِيٍّ عَلَى يَدِ أَكْمَلِ الْخَلْقِ وَأَعْلَمِهِمْ وَأَنْصَحِهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَتْ شَوَاهِدُهَا فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ، فَفَرَّتْ نُفُوسُهُمْ مِنْ هَذَا الظِّلِّ الزَّائِلِ، وَالْخَيَالِ الْمُضْمَحِلِّ، وَالْعَيْشِ الْفَانِي الْمَشُوبِ بِالتَّنْغِيصِ وَأَنْوَاعِ الْغَصَصِ، رَغْبَةً عَنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَشَوْقًا إِلَى ذَلِكَ الْمَلَكُوتِ، وَوَجْدًا بِهَذَا السُّرُورِ، وَطَرَبًا عَلَى هَذَا الْحَدِّ، وَاشْتِيَاقًا لِهَذَا النَّسِيمِ الْوَارِدِ مِنْ مَحَلِّ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ.
وَلَعَمْرُ اللهِ إِنَّ مَنْ سَافَرَ إِلَى بَلَدِ الْعَدْلِ وَالْخِصْبِ وَالْأَمْنِ وَالسُّرُورِ صَبَرَ فِي طَرِيقِهِ عَلَى كُلِّ مَشَقَّةٍ وَإِعْوَازٍ وَجَدْبٍ، وَفَارَقَ الْمُتَخَلِّفِينَ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِمْ، وَأَجَابَ الْمُنَادِي إِذَا نَادَى بِهِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَبَذَلَ نَفْسَهُ فِي الْوُصُولِ بَذْلَ الْمُحِبِّ بِالرِّضَا وَالسَّمَاحِ، وَوَاصَلَ السَّيْرَ بِالْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ، فَحَمِدَ عِنْدَ الْوُصُولِ مَسْرَاهُ، وَإِنَّمَا يَحْمَدُ الْمُسَافِرُ السُّرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ.
عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى * وَفِي الْمَمَاتِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ اللِّقَا
وَمَا هَذَا -وَاللهِ!- بِالصَّعْبِ وَلَا بِالشَّدِيدِ، مَعَ هَذَا الْعُمْرِ الْقَصِيرِ، الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الدَّارِ كَسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: 35].
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 45].
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا(46)﴾ [النازعات].
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55].
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)﴾ [المؤمنون].
فَلَوْ أَنَّ أَحَدَنَا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ يَتَّقِي بِهِ الشَّوْكَ وَالْحِجَارَةَ إِلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا وَلَا غَبْنًا فِي جَنْبِ مَا يُوَقَّاهُ.
فَوَاحَسْرَتَاهُ عَلَى بَصِيرَةٍ شَاهَدَتْ هَاتَيْنِ الْحَيَاتَيْنِ عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ، وَعَلَى هِمَّةٍ تُؤْثِرُ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِ مَنْ أَزِمَّةُ الْأُمُورِ بِيَدَيْهِ، وَمِنْهُ ابْتِدَاءُ كُلِّ شَيْءٍ وَانْتِهَاؤُهُ إِلَيْهِ، أَقْعَدَ نُفُوسَ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ عَنِ السَّفَرِ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ، وَجَذَبَ قُلُوبَ مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْهُ الْحُسْنَى، وَأَقَامَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ رُكُوبَ الْأَخْطَارِ، فَأَضَاعَ أُولَئِكَ مَرَاحِلَ أَعْمَارِهِمْ مَعَ الْمُتَخَلِّفِينَ، وَقَطَعَ هَؤُلَاءِ مَرَاحِلَ أَعْمَارِهِمْ مَعَ السَّائِرِينَ، وَعُقِدَتِ الْغَبَرَةُ وَثَارَ الْعَجَاجُ، فَتَوَارَى عَنْهُ السَّائِرُونَ وَالْمُتَخَلِّفُونَ.
وَسَيَنْجَلِي عَنْ قَرِيبٍ، فَيَفُوزُ الْعَامِلُونَ، وَيَخْسِرُ الْمُبْطِلُونَ.
وَمِنْ طِيبِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَلَذَّتِهَا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا، لِمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللهِ لَهُ»[5] يَعْنِي لِيُقْتَلَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى" اهـ المراد من "مدارج السالكين" (2/ 153 - 158، ط 2، 1429 ﻫ، دار طيبة).
الثلاثاء 7 شوال 1437هـ



[1] - رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه أبي رَحِمَهُمُ اللهُ؛ "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (813).
[2] - متفق عليه عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
[3] - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «اللهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ». "صحيح مسلم" (2720).
[4] - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا المُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ:
«العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ». متفق عليه.
[5] - متفق عليه عن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.